الزلزال بدأ فوق الرياض… فهل يهتزّ الشرق الأوسط من باب المندب؟
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
من سماء الرياض إلى باب المندب… حين يدخل الشارع على خط معادلة الردع
هناك أخبار تُقرأ باعتبارها حدثاً عسكرياً، وأخبار أخرى ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إشارة إلى تغير في قواعد اللعبة.
ما جرى حول الرياض، وما يُقال عن تحركات عسكرية في محيط باب المندب، ليس مجرد فصل جديد في الحرب اليمنية. وإذا صحت المعطيات الواردة في التقارير، فإن المنطقة أمام تداخل متزايد بين أمن السعودية، والممرات البحرية، والردع الإيراني ـ الأميركي، والمزاج الشعبي العربي.
وهنا تكمن القصة التي قد تكون أكبر من الصاروخ نفسه.
الرياض تحت الضغط… لكن الرسالة أبعد من الرياض
بحسب الرواية السعودية، اعترضت الدفاعات الجوية صاروخاً باليستياً أُطلق باتجاه الرياض، بينما أعلن الحوثيون تنفيذ عمليات قالوا إنها استهدفت مواقع حساسة في العاصمة ومنشآت مرتبطة بأرامكو في ينبع.
الروايتان متعارضتان، ولذلك لا يمكن من هذه المعلومات وحدها الجزم بكل تفاصيل النتائج العسكرية.
لكن التقارير عن دخان كثيف وحريق قرب مطار الملك خالد، وما رافق ذلك من اضطرابات في حركة الطيران، يسلط الضوء على نقطة شديدة الحساسية: البنية التحتية الحيوية أصبحت جزءاً من معادلة الضغط.
في الحرب الحديثة، لا يُقاس الأثر دائماً بحجم الدمار.
أحياناً يكفي أن تجعل منشأة نفطية أو مطاراً أو شبكة نقل تعمل تحت التهديد حتى تتحول الضربة من حدث عسكري إلى كلفة اقتصادية وسياسية مستمرة.
المفاجأة ليست في الرياض
من يركز على العاصمة وحدها قد يفوّت التطور الأكثر أهمية.
باب المندب.
التقارير الواردة تتحدث عن زيارات لخبراء إيرانيين إلى مناطق يسيطر عليها الحوثيون، وعن دراسة إمكانات تركيب رادارات والإشراف على أعمال حفر أنفاق في محيط المخا وباب المندب.
لا تكفي هذه المعلومات وحدها لإثبات قيام منظومة عسكرية متكاملة أو جاهزة للعمل.
لكنها تطرح سؤالاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله:
هل ينتقل الصراع من استخدام السلاح إلى بناء البيئة التي تجعل استخدامه أكثر فعالية واستدامة؟
الرادار يعني رصداً وإنذاراً.
التحصينات والأنفاق تعني قدرة أكبر على البقاء تحت الضربات.
والصواريخ والمسيّرات تمنح القدرة على الوصول.
وإذا اجتمعت هذه العناصر، فإن الجغرافيا نفسها تتحول إلى جزء من منظومة الردع.
باب المندب ليس تفصيلاً يمنياً
هنا يجب النظر إلى الخريطة قبل النظر إلى البيانات.
باب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويقع على مسار بحري ذي أهمية دولية.
لذلك فإن أي تحول عسكري مستدام في محيطه لا يبقى شأناً يمنياً صرفاً.
إنه يمس أمن الملاحة والتجارة والطاقة، ويضع القوى الإقليمية والدولية أمام سؤال جديد:
من يملك القدرة على مراقبة هذه البوابة، ومن يملك القدرة على تعطيلها أو حمايتها؟
وهذه ليست معركة على موقع جغرافي فحسب؛ إنها معركة على حرية الحركة والردع.
إيران وواشنطن: من الرسالة إلى الحسابات
في هذا السياق، تصبح التصريحات الإيرانية تجاه الولايات المتحدة جزءاً من الصورة.
الحديث عن استهداف الطائرات الأميركية يحمل رسالة ردع واضحة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تحول عسكري فعلي.
ومع ذلك، فإن أهمية الخطاب تكمن في أنه يحاول رفع كلفة الحضور الأميركي في الحسابات الإيرانية.
أما واشنطن فتواجه معادلة دقيقة: حماية السعودية وحلفائها، وتأمين الملاحة، ومواجهة الضغوط الإيرانية، من دون فتح مسار يصعب إغلاقه نحو حرب إقليمية أوسع.
ومن هنا تأتي حساسية الموقف الأميركي تجاه الرياض.
كلما ارتفع مستوى الخطر على السعودية، ارتفع معه الاختبار الأميركي للردع والمصداقية.
لكن هناك لاعباً آخر لا يظهر على خرائط العمليات
إنه الشارع.
لا يوجد «شارع سني» واحد له موقف موحد، ولا يمكن اختزال مئات الملايين من العرب والمسلمين في موقف سياسي واحد.
لكن ذلك لا يلغي وجود احتقانات سياسية وشعبية في قطاعات من المجتمعات السنية والعربية، تتأثر بما يجري في المنطقة وبالصراع على النفوذ والقرار والأمن.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة استراتيجية مهمة:
الاحتقان الشعبي ليس قوة سياسية تلقائياً.
لكنه قد يصبح كذلك إذا تراكمت الأزمات، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، ووجدت قوى سياسية أو إقليمية قادرة على تحويل الغضب إلى فعل منظم.
وهذا هو السبب الذي يجعل تجاهل المزاج الشعبي خطأ في الحسابات الاستراتيجية.
عندما تلتقي الجبهة العسكرية بالجبهة الشعبية
الجيوش تستطيع اعتراض الصواريخ.
والمنشآت تستطيع رفع مستوى الحماية.
والدول تستطيع فتح قنوات تفاوض.
لكن إذا بدأت التطورات العسكرية تنتج شعوراً شعبياً واسعاً بأن المنطقة تعيد تشكيل موازينها على حساب دولها ومجتمعاتها، فإن الأزمة تدخل مستوى مختلفاً.
عندها تصبح المعركة أيضاً معركة رواية وشرعية وثقة.
ومن هنا يمكن فهم حساسية الموقف السعودي.
فالرياض لا تواجه فقط تهديداً عسكرياً محتملاً؛ بل تواجه أيضاً سؤالاً أكبر يتعلق بموقعها في النظام الإقليمي، وبقدرة حلفائها على ترجمة الشراكات السياسية إلى حماية فعلية عندما ترتفع المخاطر.
الزلزال الحقيقي
لهذا، فإن اختزال المشهد في مواجهة سعودية ـ حوثية سيكون قراءة ناقصة.
لدينا في الوقت نفسه:
رياض تتعرض للضغط.
باب مندب تزداد أهميته العسكرية.
إيران ترفع سقف خطاب الردع تجاه واشنطن.
والولايات المتحدة تواجه اختبار حماية حليف استراتيجي من دون الانزلاق إلى حرب أوسع.
وفوق كل ذلك، شارع عربي يراقب ويتفاعل مع نتائج هذه المعادلة.
إذا تزامن استمرار الهجمات مع تطوير قدرات عسكرية حول باب المندب، وتصاعد التوتر الأميركي ـ الإيراني، واتساع الاحتقان الشعبي، فإن ما نشهده لن يكون مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة.
قد نكون أمام إعادة تشكيل تدريجية لمعادلة القوة في الشرق الأوسط.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
من أطلق الصاروخ على الرياض؟
بل:
من يعيد رسم حدود الردع؟ ومن يملك القدرة على فرض معادلة اليوم التالي؟
فالصاروخ يمكن اعتراضه.
والمنشأة يمكن تحصينها.
والممر البحري يمكن حمايته.
لكن عندما تبدأ المعادلات العسكرية والسياسية والشعبية في التحرك في الاتجاه نفسه، يصبح من الصعب التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد جولة عابرة.
قد يبدأ الزلزال في السماء… لكن مركزه الحقيقي قد يكون في باب المندب، وامتداداته في واشنطن والرياض، وأصداؤه في الشارع الذي يراقب الشرق الأوسط وهو يغلي تحت الرماد.