حين تصبح أراضي الدول منصاتٍ للحرب على الطاقة

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

حين تصبح أراضي الدول منصاتٍ للحرب على الطاقة

أمن الطاقة لم يعد يُحمى فقط عند البحر؛ بل يبدأ من منع تحويل أراضي الدول إلى منصات لإطلاق الحرب على منشآت الطاقة.

هذه هي الخلاصة الأخطر في الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية في السعودية انطلاقاً من الأراضي العراقية، وفق ما أوردته التقارير، وهي أخطر من أن تُقرأ باعتبارها مجرد جولة جديدة في حرب المسيّرات.

فالمسألة لم تعد: من أطلق الطائرة المسيّرة؟

السؤال الذي ينبغي أن يشغل واشنطن والعواصم العربية والغربية هو: هل يمكن أن تتحول أراضي دولة إلى ممر مفتوح لضرب أمن الطاقة لدولة أخرى، ثم يصبح الأمر واقعاً تتعايش معه المنطقة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام سابقة ستتجاوز السعودية والعراق. غداً قد تصبح منشآت النفط والغاز والموانئ وخطوط الأنابيب في أي دولة هدفاً من خلال دولة ثالثة، وتتحول الجغرافيا إلى سلاح، والسيادة إلى منطقة رمادية.

وهنا تبدو أهمية الموقف السعودي. الرياض لم تتعامل مع الأمر بمنطق الانتقام الفوري، بل منحت بغداد فرصة لإثبات أن الدولة العراقية قادرة على حماية أراضيها ومنع استخدامها للاعتداء على جيرانها، مع الاحتفاظ بحقها في حماية أمنها وسيادتها.

هذه ليست سياسة تردد؛ إنها اختبار للدولة العراقية قبل أن تكون اختباراً للصبر السعودي.

لكن الاختبار لا ينبغي أن يكون بلا نهاية.

العراق أمام مسؤولية تاريخية: إما أن يثبت أن أراضيه تحت سيطرة الدولة، وأن قرار الحرب والسلم ليس بيد جماعات مسلحة، أو أن تتحول الأراضي العراقية إلى جبهة مفتوحة في حرب إقليمية لا يملك العراق وحده نتائجها.

وهنا أيضاً تقع مسؤولية أكبر على الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج والعالم العربي.

حماية أمن الطاقة العالمي لا تبدأ عندما تصل الصواريخ إلى البحر أو تتوقف ناقلات النفط في الممرات البحرية. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير: بمنع شبكات السلاح والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية من تحويل أراضي الدول إلى منصات لتهديد البنية التحتية الحيوية.

الحل ليس بالضرورة حرباً مفتوحة، بل بناء مظلة ردع إقليمية ودولية واضحة: دعم الدولة العراقية في فرض سيادتها، تجفيف مسارات التسليح، ملاحقة الجهات التي تنفذ الهجمات، حماية منشآت الطاقة، وتحديد كلفة سياسية واقتصادية وأمنية حقيقية على كل من يسمح باستمرار هذه المنظومة.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا يُغلق الباب أمام الحل السياسي. فالردع الحقيقي ليس هدفه توسيع الحرب، بل منعها من أن تصبح القاعدة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن ترك الأذرع المسلحة تتمدد تحت شعار «الاحتواء» لا يلغي الخطر؛ بل ينقله من جبهة إلى أخرى، حتى يصل في النهاية إلى قلب الاقتصاد العالمي.

المطلوب اليوم ليس حماية السعودية وحدها، بل حماية القاعدة التي يقوم عليها أمن الاقتصاد العالمي: أن لا تكون منشآت الطاقة رهينة للجغرافيا المسلحة، وأن لا تصبح سيادة الدول غطاءً لحروب الآخرين.

فإذا سُمح اليوم باستخدام أرض دولة لضرب أنابيب النفط في دولة أخرى، فلن يكون السؤال غداً: أين ستضرب المسيّرة؟

بل: أي دولة ستكون التالية؟

وهنا تحديداً يجب أن يبدأ التحرك الدولي، قبل أن يتحول الأمر الواقع إلى نظام جديد.