حين لا يحتاج حزب الله إلى قلب الطاولة: هل بدأت الدولة اللبنانية تسقطها من الداخل؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

حين لا يحتاج حزب الله إلى قلب الطاولة: هل بدأت الدولة اللبنانية تسقطها من الداخل؟

الخطر الأكبر على لبنان حالياً قد لا يكون قراراً عسكرياً مباشراً من حزب الله، بل استثمار الحزب في الانقسام الداخلي وانتظار اللحظة التي يصبح فيها النظام السياسي نفسه غير قادر على اتخاذ قرار موحد. وهذه، في تقديري، هي الزاوية التي يجب أن يُعاد من خلالها النظر إلى المشهد اللبناني كله، بعيداً من الضجيج اليومي للتصريحات والبيانات والسجالات، وبعيداً أيضاً من السؤال السهل: هل يستعد حزب الله لجولة جديدة؟ فالسؤال الأكثر جدية، والأكثر إزعاجاً في آن، هو سؤال آخر: ماذا لو لم يكن الحزب بحاجة إلى جولة جديدة أصلاً؟ ماذا لو كانت المعركة الحقيقية قد انتقلت من الحدود إلى داخل الدولة، ومن السلاح إلى القدرة على اتخاذ القرار، ومن المواجهة المباشرة إلى اختبار قدرة المؤسسات اللبنانية على البقاء متماسكة تحت الضغط؟

في الدول المستقرة، تكون الخلافات السياسية جزءاً من الحياة السياسية. أما في الدول التي تعيش على خطوط التماس الإقليمية والدولية، فإن الخلاف الداخلي يمكن أن يتحول في لحظة معينة من خلاف على السلطة إلى عامل في إعادة تشكيل ميزان القوى نفسه. لبنان يقف اليوم على هذه الحافة تحديداً. فالمسألة لم تعد محصورة في علاقة حزب الله بالدولة، ولا في مستقبل سلاحه، ولا في كيفية تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالجنوب، بل في السؤال الذي يتقدم على كل هذه الأسئلة: هل ما زالت الدولة اللبنانية قادرة على إنتاج قرار استراتيجي واحد، أم أن تعدد مراكز النفوذ بدأ يحول دون ذلك؟

وهنا تصبح قراءة سلوك حزب الله أكثر تعقيداً. فالسياسة لا تُقاس دائماً بما يقال، بل أحياناً بما لا يُقال، ولا تُقاس فقط بالحركة، بل أيضاً بالامتناع عن الحركة. والتهدئة التي تبدو في ظاهرها تراجعاً في التصعيد قد تكون تهدئة بالفعل، وقد تكون إعادة تموضع، وقد تكون انتظاراً. لا يمكن الجزم بالاحتمال الأخير من دون معلومات موثوقة، لكن من الخطأ الاستراتيجي أيضاً إسقاطه من الحساب لمجرد أن الشارع لا يرى مواجهة مفتوحة.

فالقوى التي تجد نفسها أمام بيئة جديدة لا تعيد حساباتها بالضرورة عبر إطلاق النار. أحياناً تعيد الحسابات عبر الصمت، وأحياناً عبر اختبار خصومها، وأحياناً عبر ترك التناقضات الداخلية في معسكر الخصم تعمل وحدها. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن يتخذ حزب الله قراراً صدامياً سريعاً، بل أن يجد أمامه دولة منشغلة بتناقضاتها، وقوى سياسية تتنافس على النفوذ، ومؤسسات تتداخل صلاحياتها، وجبهة داخلية تستهلك نفسها بنفسها.

هذه النقطة بالذات تجعل ملف اتفاق الإطار أبعد من مجرد خلاف على النصوص. فالجدل حول الاستناد إلى الاتفاقات السابقة، ومنها اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وحول القرار 1701 وما يرتبط به من مفهوم حصرية السلاح، يكشف في العمق صراعاً على تعريف المرحلة المقبلة ومن يملك حق تفسيرها وتنفيذها. فالاتفاقات لا تصبح ذات قيمة استراتيجية بمجرد توقيعها؛ قيمتها تبدأ عندما تمتلك الدولة القدرة السياسية والمؤسساتية على تحويلها إلى واقع. وإذا كانت الدولة تفاوض من جهة ثم تعجز عن إنتاج إجماع داخلي حول نتائج التفاوض من جهة أخرى، فإنها تفتح ثغرة بين النص والواقع، وهذه الثغرة هي المكان الذي تدخل منه القوى الأكثر تنظيماً وقدرة على المناورة.

وهنا تحديداً لا يعود السؤال: من يملك السلاح؟ بل يصبح: من يملك القدرة على فرض الوقائع السياسية التي تجعل السلاح جزءاً من معادلة الدولة، لا مجرد موضوع خلاف داخلها؟ وهذا فارق جوهري. لأن الدولة قد تمتلك نظرياً النصوص والقرارات والمؤسسات، لكنها إذا افتقدت القدرة على توحيد قرارها، فإن القوة الفعلية لا تُقاس بما هو مكتوب، وإنما بمن يستطيع الانتظار، والمناورة، واستثمار اللحظة المناسبة.

ولذلك فإن أخطر ما يجري الآن قد لا يكون في الجنوب وحده، بل في بيروت نفسها. فحين تتوتر العلاقة بين مؤسسات السلطة، وحين يتحول التنافس السياسي إلى تنازع على الصلاحيات، وحين تدخل المؤسسة العسكرية في قلب السجال السياسي، فإن المشهد يتجاوز الخلاف الطبيعي بين القوى. الجيش هنا ليس تفصيلاً. الجيش هو آخر خطوط التماسك التي تستطيع الدولة أن تستند إليها عندما تتراجع قدرة السياسة على إنتاج التوافق. ولذلك فإن أي محاولة، مباشرة أو غير مباشرة، لتحويل العلاقة بين الجيش والسلطة إلى ساحة صراع سياسي يجب أن تُعامل بوصفها مسألة تتجاوز الأشخاص والوزارات والحسابات الآنية.

ليس من المنهج القول إن كل خلاف داخل الدولة هو مؤامرة، وليس من المسؤولية اتهام طرف محدد بأنه يعمل على فصل الجيش عن السلطة من دون دليل. لكن الاستراتيجية لا تنتظر وقوع الخطر حتى تكتشفه. يكفي أن تظهر قابلية المؤسسة العسكرية لأن تصبح موضوعاً للتجاذب حتى يصبح الأمر جديراً بأعلى درجات الحذر. ففي الدول الهشة، لا يحتاج الخارج أو الداخل إلى إسقاط المؤسسة؛ يكفي أن يدفع السياسيين إلى الانقسام حولها حتى يبدأ دورها بالتآكل.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو بعض التطورات السياسية الصغيرة أكبر من حجمها الظاهر. حادثة في مجلس النواب، خلاف بين مسؤولين، تصريح لوزير، رد من حزب، أو تبدل في لهجة خطاب سياسي قد تبدو منفصلة عندما تُقرأ كل واحدة منها على حدة. لكن الاستراتيجي لا يقرأ الأحداث منفردة؛ يقرأ اتجاهها. والسؤال الذي يجب طرحه ليس ماذا تعني هذه الحادثة وحدها، بل إلى أي اتجاه تدفع مجموعة هذه الحوادث؟

إذا كان الاتجاه هو المزيد من التنافس داخل مؤسسات الدولة، والمزيد من الشك المتبادل بين القوى السياسية، والمزيد من التوتر حول دور الجيش، والمزيد من الغموض حول مرجعية القرار، فإن المشكلة تصبح أكبر من حزب الله نفسه. تصبح المشكلة في البيئة التي يستطيع أي لاعب قوي أن يتحرك داخلها.

وهنا تقع المفارقة اللبنانية الكبرى: قد لا يحتاج حزب الله إلى إسقاط خصومه إذا كان خصومه قادرين على إضعاف بعضهم بعضاً. وقد لا يحتاج إلى تعطيل الدولة إذا كانت الدولة قادرة، بفعل التنافس الداخلي، على تعطيل نفسها. وقد لا يحتاج إلى مواجهة سياسية شاملة إذا كان بإمكانه الانتظار حتى تتراجع قدرة خصومه على إنتاج موقف موحد.

هذه ليست دعوة إلى رؤية مؤامرة خلف كل حدث، بل العكس تماماً. إنها دعوة إلى التخلي عن القراءة السطحية للمشهد. فالقوة في السياسة لا تكون دائماً في الهجوم. أحياناً تكون في القدرة على الانتظار بينما يقوم الآخرون بتقديم أوراقهم مجاناً.

ومن هذه الزاوية، فإن تحذير نعيم قاسم من غضب المقاومة لا ينبغي أن يُقرأ وحده، كما لا ينبغي تجاهله بالكامل. الخطابات السياسية المتكررة تفقد جزءاً من أثرها عندما تصبح مألوفة، لكن قيمتها التحليلية لا تكمن دائماً في التهديد المباشر، بل في معرفة الوظيفة السياسية التي يؤديها الخطاب. هل هو رفع لسقف التفاوض؟ هل هو رسالة إلى الداخل؟ هل هو اختبار لردود الفعل؟ أم أنه محاولة للحفاظ على هامش ردع في مرحلة تتغير فيها موازين القوة؟

لا توجد في المعطيات المتاحة إجابة قاطعة. لكن غياب الإجابة لا يلغي ضرورة طرح السؤال.

والأكثر دلالة ربما هو أن لبنان لا يتحرك في فراغ. فكل ما يجري داخلياً يتقاطع مع إقليم مضطرب، ومع حسابات إيرانية وإسرائيلية وأميركية وسورية، ومع مستقبل الجنوب، ومع موقع لبنان في مرحلة جديدة لم تتبلور قواعدها النهائية بعد. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الداخل اللبناني جزءاً من الأمن الإقليمي، لا مجرد شأن داخلي.

ولهذا فإن الخطأ الأكبر سيكون التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد صراع بين حزب الله والحكومة. إنها أوسع من ذلك بكثير. إنها معركة على تعريف الدولة نفسها: هل تكون الدولة هي المرجعية النهائية للقرار؟ أم تبقى دولة ذات مؤسسات رسمية، لكن بداخلها مراكز قوة قادرة على فرض حدود حركتها؟

وهنا تصبح مسؤولية القوى المناهضة لحزب الله مضاعفة. فإذا كانت هذه القوى تريد فعلاً استعادة قرار الدولة، فإن عليها أولاً أن تتوقف عن تحويل الدولة إلى ساحة تنافس بينها. لا يمكن بناء سلطة قوية عبر سلطات متنافسة. ولا يمكن استعادة هيبة الدولة إذا كان كل طرف داخلها يتعامل مع المؤسسة التي يفترض أن تحمي القرار الوطني باعتبارها جزءاً من حصته السياسية.

قد تكون هذه هي النقطة التي لم تُلتقط بما يكفي حتى الآن: الخطر ليس فقط في قوة حزب الله، بل في ضعف خصومه المؤسسي. فالقوة تصبح أكثر تأثيراً عندما تواجه خصماً منقسماً، والخصم المنقسم لا يحتاج إلى هزيمته عسكرياً كي يخسر؛ يكفي أن يفقد القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

لذلك، إذا كان هناك فعلاً من يراقب داخل حزب الله احتمالات قلب الطاولة ، فلا ينبغي أن يكون السؤال اللبناني الوحيد: متى سيقلبها؟

السؤال الأكثر ذكاءً هو: هل نعطيه نحن الظروف التي تجعل قلبها ممكناً؟

فالحزب، إذا كان يعيد حساباته، لن تكون لديه مصلحة بالضرورة في إشعال مواجهة واسعة إذا كانت البيئة السياسية اللبنانية تسمح له بتحسين موقعه من دونها. وقد تكون أفضل استراتيجية لأي قوة تواجه ضغطاً كبيراً هي المحافظة على قدرتها على الحركة، واستثمار أخطاء خصومها، وانتظار اللحظة التي يصبح فيها خصمها أمام خيارات أقل فأقل.

أما الدولة، فلا تملك هذا الترف.

الدولة لا تستطيع أن تنتظر انهيار خصومها. عليها أن تمنع انهيارها هي.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية في لبنان اليوم ليست معركة أعصاب بين خطابين، ولا سباقاً بين تهديد وتهديد، ولا مجرد تفاوض حول نص اتفاق. إنها معركة على شيء أكثر جوهرية: من يملك حق إنتاج القرار اللبناني عندما تصبح المنطقة كلها في حالة إعادة تشكيل؟

إذا بقيت الدولة موحدة، فإن أي قوة سياسية، مهما بلغ نفوذها، ستجد أمامها سقفاً مؤسساتياً وسياسياً لا تستطيع تجاوزه بسهولة.

أما إذا استمرت الدولة في استنزاف نفسها، وإذا تحولت الخلافات بين أركانها إلى صراع على المواقع، وإذا أصبح الجيش موضوعاً للتجاذب، وإذا بقيت المرجعيات متنافسة على تفسير الالتزامات، فإن الخطر لن يحتاج إلى مؤامرة كي يتحول إلى واقع.

عندها لن يكون ضرورياً أن يقلب أحد الطاولة.

قد تسقط الطاولة وحدها.

وهذه، في تقديري، هي الحقيقة التي يجب أن تقلق لبنان أكثر من أي خطاب ناري: أن أخطر لحظة ليست عندما يقرر خصمك الهجوم، بل عندما يكتشف أن خصومه قد أصبحوا منقسمين إلى درجة تجعل الهجوم غير ضروري.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للدولة اللبنانية ليس أن تنتصر في معركة خطابية مع حزب الله، ولا أن تثبت أنها أكثر صلابة في التصريحات، بل أن تثبت شيئاً واحداً: أن القرار الوطني يستطيع أن يبقى واحداً، حتى عندما تتعدد الضغوط، وتتضارب المصالح، وتشتد العواصف الإقليمية.

لأن الدولة التي تستطيع أن تتخذ قراراً واحداً تحت الضغط، يصعب ابتلاعها.

أما الدولة التي لا تستطيع اتخاذ قرار واحد، فلا تحتاج إلى من يقلب طاولتها.

يكفي أن ينتظر.