لا تختبروا صبر المنطقة

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

لا تختبروا صبر المنطقة

استهداف السعودية قد يكون أكبر من مجرد حرب في اليمن

على العواصم المعنية أن تنتبه جيداً: استمرار استهداف المملكة العربية السعودية لا يحدث في فراغ سياسي، ولا يمكن اختزاله في حسابات الميدان اليمني.

السعودية ليست مجرد طرف في نزاع إقليمي. إنها دولة ذات ثقل عربي وإسلامي استثنائي، ولذلك فإن استهدافها المتكرر يحمل قابلية لأن يتحول من أزمة أمنية إلى أزمة سياسية وشعبية أوسع.

وهنا تحديداً تكمن المسألة التي قد يخطئ البعض في تقديرها.

هناك حساسية متزايدة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام السني تجاه أي تصعيد يستهدف السعودية، ليس فقط بسبب موقعها السياسي، وإنما بسبب مكانتها الدينية والرمزية. وإذا تراكمت هذه المشاعر مع استمرار الضربات والخطاب التصعيدي، فقد تتحول القضية تدريجياً من ملف يخص اليمن إلى قضية تُعيد تشكيل مواقف وقوى في المنطقة.

وهذا هو الإنذار الحقيقي.

إيران، قبل غيرها، معنية بأن تقرأ هذه المعادلة بعناية. فحتى إذا كان التصعيد الحوثي جزءاً من حسابات ميدانية محددة، فإن نتائجه السياسية قد تتجاوز بكثير ما يستطيع أي طرف التحكم به.

قد يكون بالإمكان حساب مدى الصاروخ، لكن يصعب حساب مدى الغضب الشعبي.

وقد يكون بالإمكان إدارة جولة عسكرية، لكن من الأصعب بكثير إدارة تراكم سياسي ومجتمعي ينتج عنها.

لذلك فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: ماذا يستطيع الحوثيون أن يفعلوا بالسعودية؟

بل أصبح:

ماذا يمكن أن يفعل استهداف السعودية بتوازنات المنطقة نفسها؟

فالضغط المتكرر على الرياض قد يدفع، بصورة عكسية، إلى مزيد من التقارب بين قوى ترى أن أمن السعودية جزء من أمنها الإقليمي، وإلى إعادة تشكيل حسابات أمنية وسياسية لم تكن موجودة بالصيغة نفسها قبل التصعيد.

والأخطر أن الشرق الأوسط لا يتحرك دائماً وفق منطق الحكومات وحدها. هناك رأي عام، وهوية، وذاكرة تاريخية، ورمزية دينية؛ وحين تتداخل هذه العناصر مع الصراع الجيوسياسي، تصبح النتائج أقل قابلية للتنبؤ.

لهذا يجب ألا يُختبر صبر المنطقة إلى ما لا نهاية.

فالذي يبدو اليوم ضربة على هدف سعودي قد يتحول غداً إلى نقطة انعطاف في معادلات أوسع بكثير.

والرسالة إلى طهران ليست تهديداً، بل تحذير استراتيجي:

احسبوا جيداً ليس فقط ما تستطيعون فعله، بل ما قد يطلقه التصعيد من ردود سياسية وشعبية لا يمكن احتواؤها بسهولة.

لأن بعض التحولات الكبرى في الشرق الأوسط لا تبدأ عندما تتغير الجبهات، بل عندما يتغير مزاج المنطقة.