إلى الحوثيين وحلفاء إيران: لا تختبروا صبر السعودية ولا صمت الشارع العربي
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
في الشرق الأوسط، لا تحتاج الأزمات الكبرى دائماً إلى شرارة كبيرة. أحياناً يكفي أن يخطئ طرف في قراءة ميزان القوى، أو أن يعتقد أن سياسة الضغط المستمر يمكن أن تستمر بلا ثمن.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُقرأ بعناية في صنعاء وطهران، وكذلك في العواصم التي ترتبط بالمحور الإيراني، هي أن السعودية ليست ساحة مفتوحة لاختبار حدود الاحتمال، وأن أي تصعيد يستهدف أمنها ومصالحها قد ينتج تداعيات تتجاوز الحسابات المباشرة للمواجهة.
الملف الحوثي السعودي لم يعد مجرد قضية يمنية. فالموقع الجغرافي للمملكة، وثقلها السياسي والاقتصادي في العالم العربي، يجعلان أي تصعيد واسع ضدها قضية إقليمية بامتياز.
وهنا تقع المشكلة الاستراتيجية.
قد يعتقد الحوثيون أن الضغط على السعودية يمنحهم أوراقاً إضافية في أي تفاوض، لكن استمرار التصعيد يحمل في المقابل احتمالاً آخر: أن يتحول الضغط من ورقة تفاوض إلى عامل يعيد تشكيل البيئة السياسية والشعبية في المنطقة ضد من يستخدمه.
وهذه نقطة ينبغي ألا تُهمل.
فالشارع العربي، بما فيه قطاعات واسعة في البيئات السنية، لا ينظر بالضرورة إلى الصراع من الزاوية التي تقدمها القوى الإقليمية. المواطن الذي يبحث عن الأمن والاستقرار وفرص العمل والدولة القادرة على حماية حدودها ومصالحها قد لا يرى في استمرار الحروب بالوكالة مشروعاً سياسياً مقنعاً.
بل إن تراكم الأزمات يمكن أن ينتج سؤالاً أكثر عمقاً:
لماذا يجب على المجتمعات العربية أن تدفع ثمن صراعات تُدار من خارج حدودها؟
وهذا السؤال لا يخص اليمن وحده.
في العراق ولبنان أيضاً، أصبح موضوع السلاح والنفوذ الخارجي والقرار الوطني جزءاً من نقاش سياسي واجتماعي أوسع. والخطر الحقيقي ليس في اختلاف المواقف السياسية، بل في أن يتحول هذا الاختلاف إلى استقطاب مذهبي دائم.
وهنا ينبغي التنبيه إلى خطأ استراتيجي خطير:
إيران وحلفاؤها قد يربحون جولة عسكرية، لكنهم لا يستطيعون ضمان استمرار القبول الشعبي إذا ارتبط نفوذهم في نظر قطاعات من المجتمعات العربية بتعطيل الدولة أو إطالة الصراعات أو فرض خيارات إقليمية على حساب الأولويات المحلية.
والسعودية في هذا المشهد ليست مجرد دولة مستهدفة بالصواريخ أو التهديدات؛ إنها دولة ذات ثقل عربي وإقليمي، وأي محاولة مستمرة لزعزعة أمنها يمكن أن تدفع أطرافاً عربية مختلفة إلى إعادة حساباتها.
لكن التحذير هنا لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى حرب جديدة.
العكس هو الصحيح.
أكثر ما تحتاجه المنطقة هو كسر دورة التصعيد، لا توسيعها.
فالحوثيون أمام معادلة واضحة: كلما ارتفع مستوى استهداف الأراضي السعودية، ارتفعت احتمالات انتقال الملف من حدود اليمن إلى حسابات إقليمية أوسع. وكلما اتسعت الساحات، أصبح من الصعب على أي طرف التحكم الكامل بالنتائج.
وهذه هي مشكلة الحروب بالوكالة.
تبدأ بقرار محسوب، ثم تدخل فيها أطراف متعددة، ثم تظهر أحداث لم تكن في الحسابات الأولى، وفي النهاية يصبح الجميع أمام أزمة أكبر من قدرة أي طرف منفرد على ضبطها.
أما إيران وحلفاؤها في العراق ولبنان، فعليهم أن يقرأوا المشهد من زاوية أخرى أيضاً.
النفوذ لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الترسانة؛ النفوذ المستدام يحتاج إلى قبول سياسي واجتماعي، وإلى قدرة على التعايش مع الدولة والمجتمع، لا إلى إبقاء المنطقة في حالة تعبئة دائمة.
والشارع العربي ليس كتلة واحدة، ولا يجوز اختزاله في طائفة واحدة أو موقف واحد. لكن تجاهل التحولات في المزاج الشعبي، وخصوصاً عندما تتراكم مشاعر الخوف والضيق من الحروب والنفوذ الخارجي، قد يكون خطأً مكلفاً.
لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله أي طرف اليوم هو أن يخلط بين الصمت والرضا، وبين القدرة على الاحتمال والقبول، وبين الهدوء والاستقرار الحقيقي.
السعودية تريد أمناً وحدوداً مستقرة، واليمن يحتاج إلى تسوية تضع حداً للحرب، والعراق يحتاج إلى دولة قادرة على احتكار قرارها الأمني، ولبنان يحتاج إلى استعادة مؤسسات الدولة لدورها.
هذه ليست مطالب معادية لأحد.
إنها ببساطة شروط الاستقرار.
ومن يعتقد أن المنطقة تستطيع أن تبقى إلى الأبد رهينة لمنطق الساحات المفتوحة، قد يكتشف أن المجتمعات نفسها بدأت تطرح سؤالاً أكبر من كل الحسابات العسكرية:
متى يصبح القرار العربي نابعاً من مصالح الدول وشعوبها، لا من صراعات المحاور؟
وهنا تحديداً تكمن الرسالة الأهم إلى الحوثيين وحلفاء إيران:
لا تختبروا صبر السعودية، ولا تراهنوا على صمت الشارع العربي، ولا تفترضوا أن اتساع النفوذ يعني اتساع القبول.
فالشرق الأوسط دخل مرحلة لا يكفي فيها امتلاك أدوات القوة.
المرحلة الجديدة ستفرض على الجميع سؤالاً أصعب:
من يستطيع أن يحافظ على نفوذه من دون أن يخسر الدولة والمجتمع؟
وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام أي محور هو خصمه العسكري، بل قدرته على إقناع الشعوب بأن مشروعه يخدم الاستقرار والسيادة ومستقبل المنطقة.
وهذه معركة لا تُحسم بالصواريخ.