السعودية وردع طهران... عندما تغيّر الرياض معادلة القوة

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

السعودية وردع طهران... عندما تغيّر الرياض معادلة القوة

في الحروب الكبرى، لا تُقاس التحولات الحقيقية بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد الأهداف التي دُمّرت. التحول الأخطر يحدث عندما تتغير حسابات الخصم، ويكتشف أن قواعد الاشتباك التي اعتاد العمل وفقها لم تعد تمنحه النتائج نفسها.

من هنا ينبغي قراءة التحرك السعودي في مواجهة إيران.

فالقضية لم تعد مجرد مواجهة بين دولتين، ولا مجرد امتداد للحرب الأميركية ـ الإيرانية. ما يتشكل أمام المنطقة أوسع من ذلك: محاولة للانتقال من الردع المنفرد إلى الردع الجماعي، ومن الاعتماد على قوة خارجية إلى بناء شبكة أمن إقليمية تتحمل دول المنطقة مسؤوليتها بنفسها.

وهنا تكمن أهمية التحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني.

فالاتفاق الدفاعي الذي جمع الدول الثلاث لا يكتسب أهميته من كونه إعلاناً سياسياً فحسب، بل من الاحتمال الذي يفتحه أمام ولادة منظومة ردع جديدة، تجمع الوزن الاقتصادي والاستراتيجي للسعودية، والقدرة العسكرية والتكنولوجية لتركيا، والثقل العسكري والنووي لباكستان.

لكن قيمة أي تحالف لا تُقاس بحجم أعضائه، وإنما بقدرته على تحويل القوة الكامنة إلى قرار قابل للتنفيذ.

فالردع الحقيقي لا يعني امتلاك السلاح فقط؛ بل يعني إقناع الخصم بأن استخدامه لن يحقق أهدافه، وأن كلفة التصعيد ستكون أكبر من المكاسب المتوقعة.

وهنا قد يكون التحول السعودي أكثر أهمية من أي مواجهة عسكرية منفردة.

لقد اعتادت المنطقة طويلاً على معادلة تقوم على طرف إقليمي يوسّع نفوذه عبر حلفاء وأذرع، في مقابل قوى تعتمد بدرجات مختلفة على الحماية الخارجية. أما اليوم، فقد بدأت تظهر معادلة مختلفة: الدول نفسها تتحرك لبناء شبكة ردع مشتركة، لأن أمنها لم يعد يحتمل أن يبقى رهينة الحسابات غير المباشرة.

وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف.

فإذا نجحت الرياض في تحويل شراكاتها الجديدة إلى تعاون عسكري واستخباراتي ودفاعي فعلي، فإن طهران لن تواجه دولة واحدة فحسب؛ بل ستواجه احتمال نشوء بيئة إقليمية تجعل أي تصعيد واسع أكثر كلفة وتعقيداً.

والأهم أن هذه المعادلة لا تقوم على التفوق العسكري وحده. فالسعودية تمتلك وزناً اقتصادياً ومكانة مركزية في أسواق الطاقة، وتركيا تملك موقعاً جغرافياً وقدرات عسكرية كبيرة، بينما تضيف باكستان إلى المعادلة عمقاً عسكرياً واستراتيجياً استثنائياً.

لكن الاستراتيجية لا تُبنى بالأرقام وحدها.

فالاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرة هذه الدول على تنسيق قراراتها، وتبادل المعلومات، وحماية المجال الجوي والممرات البحرية، وبناء آليات مشتركة للاستجابة للأزمات. فإذا تحولت هذه العناصر إلى مؤسسات دائمة، يصبح الحديث عن الردع الجماعي أكثر من مجرد شعار سياسي.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى في المشهد الإيراني.

فطهران بنت جزءاً مهماً من نفوذها الإقليمي على مبدأ العمق غير المباشر: نفوذ يتجاوز الحدود، وأدوات تستطيع من خلالها الضغط على الخصوم من مسافات بعيدة، من دون الدخول دائماً في مواجهة مباشرة.

لكن كلما ارتفع مستوى التهديد الذي تشعر به دول المنطقة، ازدادت حاجتها إلى بناء أمنها بصورة مباشرة.

أي أن النموذج الذي منح إيران مساحة واسعة للمناورة قد يساهم، paradoxically، في دفع خصومها إلى بناء منظومة أمنية أكثر تماسكاً ضدها.

وهنا قد يكون التحدي الحقيقي أمام طهران ليس عدد الجبهات التي تستطيع فتحها، بل عدد الدول التي قد تجد نفسها مضطرة إلى إغلاق تلك الجبهات أمامها.

فالحرب التي تتسع جغرافياً قد تنتج، في لحظة معينة، نتيجة عكسية: بدلاً من تفكيك خصوم إيران، قد تدفعهم إلى التكتل.

وهذا هو جوهر التحول.

لم تعد المعادلة: من يملك الوكلاء الأكثر؟

بل بدأت تتحول إلى سؤال مختلف:

من يستطيع بناء شبكة ردع أكثر تماسكاً واستدامة؟

وفي هذه النقطة تحديداً، تدخل السعودية مرحلة مختلفة في سياستها الإقليمية. فالقوة السعودية لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما بقدرتها على بناء بيئة إقليمية تجعل الاعتداء عليها أو على شركائها أكثر كلفة.

وهذه هي فلسفة الردع الحديثة: أن تجعل الحرب خياراً غير جذاب، لا أن تنتظر اندلاعها ثم تبحث عن كيفية الانتصار فيها.

لذلك، فإن القول إن السعودية «تفعل ما عجزت الولايات المتحدة عن فعله» قد يكون مبالغاً فيه إذا أُخذ كحكم نهائي. لكن يمكن طرح سؤال أكثر عمقاً:

هل بدأت السعودية تفعل شيئاً مختلفاً عما حاولت القوة الأميركية فعله لعقود؟

الولايات المتحدة امتلكت التفوق العسكري، لكنها لم تستطع وحدها إنتاج نظام أمني إقليمي مستقر يحسم معضلة إيران.

أما الرياض، فتحاول أن تبني معادلة مختلفة: أن يصبح ردع إيران مسؤولية إقليمية مشتركة، لا مهمة قوة عظمى واحدة.

إذا نجحت هذه المعادلة، فإن أثرها لن يتوقف عند حدود الحرب الحالية.

فقد تكون المنطقة أمام انتقال من عصر النفوذ غير المباشر إلى عصر التحالفات المباشرة؛ ومن أمن يعتمد على المظلة الخارجية إلى أمن تشارك الدول نفسها في بنائه؛ ومن قوة تقيس نفوذها بعدد الأذرع والجبهات إلى قوة تقيسه بقدرتها على إنتاج الردع والاستقرار.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية:

قد لا يكون أخطر ما تواجهه إيران هو تحالف جديد حولها، بل ولادة عقل استراتيجي إقليمي جديد لم يعد يقبل أن تُدار أمنياته ومصالحه عبر الآخرين.

وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال من أطلق الصاروخ الأول أو من امتلك الجبهة الأوسع.

السؤال الذي سيحسم شكل الشرق الأوسط المقبل هو:

من استطاع أن يجعل كلفة الحرب أعلى من قدرة خصمه على تحملها؟

فإذا نجحت الرياض في تحويل التحالفات إلى ردع، والردع إلى استقرار، والاستقرار إلى نظام أمني إقليمي، فلن تكون قد غيّرت فقط طريقة مواجهة طهران.

ستكون قد بدأت بتغيير قواعد اللعبة نفسها.