ضريبة النفايات أم ضريبة فشل الدولة؟ حين تتحول خزينة لبنان إلى جيب المواطن

بقلم ه‍ئية التحرير خاص مراسل نيوز

ضريبة النفايات أم ضريبة فشل الدولة؟ حين تتحول خزينة لبنان إلى جيب المواطن

ليس أخطر ما في الضرائب الجديدة أن بعضها يبلغ 1.5 أو 2 أو 3 في المئة، بل أن لبنان يبدو وكأنه يدخل مرحلة جديدة من إدارة الأزمات: كلما عجزت الدولة عن إصلاح مشكلة، فتحت بابًا جديدًا لتحصيل المال من المواطن.

هنا تحديدًا يجب أن يتجاوز النقاش حدود الأرقام والتفاصيل التقنية. فالقضية ليست فقط كيف ستجمع الدولة نحو 150 مليون دولار سنويًا لمعالجة أزمة النفايات، بل السؤال الأكثر عمقًا: هل نحن أمام تمويل لخدمة عامة، أم أمام نقل جديد لكلفة فشل الإدارة إلى المجتمع والاقتصاد؟

معالجة النفايات ضرورة لا خلاف عليها. واللبناني لا يريد أن يعيش وسط النفايات، ولا يريد أن تتحول مدنه وبلداته إلى مكبات مفتوحة. لكن الضرورة لا تعني أن تصبح الضريبة شيكًا على بياض، ولا أن يُطلب من المواطن تمويل الحل قبل أن يعرف أين ستذهب الأموال وكيف ستُنفق ومن سيراقبها.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الجباية هي أسرع إجابة عن كل سؤال مالي.

فالدولة التي تحتاج إلى إيرادات تستطيع أن تبحث عن إصلاح الإنفاق، مكافحة الهدر، تحسين الإدارة، إغلاق منافذ التسرب المالي، وتفعيل الرقابة. لكنها عندما تختار الطريق الأسهل، أي فرض رسوم وضرائب جديدة، فإنها تنقل العبء مباشرة إلى الحلقة الأضعف: المواطن والمستهلك والقطاع الإنتاجي.

وهنا تظهر المفارقة.

قد تبدو الضريبة صغيرة على الورق، لكن الاقتصاد لا يعيش على الورق.

ضريبة على سلعة تدخل في صناعة أخرى تعني كلفة إضافية على المنتج. والكلفة الإضافية تنتقل إلى التاجر، ثم إلى المستهلك. وإذا تكررت العملية في أكثر من مرحلة، فإن نسبة صغيرة قد تتحول إلى موجة ارتفاع أكبر في السعر النهائي.

وهكذا لا تبقى الضريبة مجرد رقم في خزينة الدولة؛ بل تتحول إلى كلفة تتحرك داخل الاقتصاد كله.

الأخطر أن هذه السياسة تأتي في اقتصاد أنهكته الأزمات، وتراجعت فيه القدرة الشرائية، وارتفعت كلفة المعيشة والإنتاج. لذلك فإن السؤال لم يعد: هل يستطيع المواطن دفع ضريبة إضافية؟

السؤال هو: إلى متى يستطيع الاقتصاد اللبناني تحمّل اقتصاد الضرائب؟

هناك فرق كبير بين دولة تفرض ضريبة ضمن رؤية اقتصادية متكاملة، وبين دولة تستخدم الضريبة كمسكن مالي مؤقت.

الدولة الأولى تقول للمواطن: ادفع، وسأعطيك خدمة أفضل، وأحاسب نفسي على كل ليرة.

أما الدولة الثانية فتقول له عمليًا: ادفع لأن الدولة تحتاج إلى المال.

وهنا تنهار المعادلة بين الضريبة والثقة.

فالمواطن يمكن أن يقبل التضحية عندما يرى نتيجة واضحة. لكنه يفقد ثقته عندما تتكرر الضرائب بينما تبقى الخدمات متراجعة، وعندما يسمع عن مليارات تُنفق بلا نتائج، ثم يُطلب منه تمويل أزمة جديدة من جيبه.

وهنا تصبح تجربة الماضي حاضرة بقوة.

إذا كانت الدولة تريد جمع 150 مليون دولار سنويًا تحت عنوان معالجة النفايات، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق فرض الضريبة هو: ما هي آلية ضمان إنفاق هذه الأموال حصراً على الغاية التي جُمعت من أجلها؟

من يراقب؟

من ينشر الحسابات؟

من يحدد كلفة المعالجة؟

من يراقب العقود؟

ومن يمنع تحول أموال النفايات إلى رقم جديد يذوب داخل المالية العامة؟

هذه ليست أسئلة شعبوية، بل أسئلة دولة.

والأخطر من الضريبة نفسها هو أن تتحول إلى سابقة: أزمة نفايات تُموّل بضريبة، وأزمة كهرباء بضريبة، وأزمة نقل بضريبة، وأزمة مالية بضريبة، حتى يصبح المواطن في النهاية الممول الدائم لعجز الدولة.

عندها لا يعود الخلل في قيمة الضريبة، بل في النموذج نفسه.

لبنان لا يحتاج إلى دولة تعرف كيف تجبي المال فقط. يحتاج إلى دولة تعرف كيف تنفق المال الذي تجبيه.

وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الجدل حول نسب الـ1.5 والـ2 والـ3 في المئة.

المعركة الحقيقية ليست بين الدولة والمواطن حول ضريبة جديدة.

المعركة الحقيقية هي بين منطق الإصلاح ومنطق تحميل الفشل للناس.

فإذا كانت الدولة جادة في معالجة النفايات، فلتضع خطة شفافة، معلنة، قابلة للتدقيق، مرتبطة بمؤشرات واضحة، ولتفتح حسابات الإيرادات والإنفاق أمام الرأي العام.

أما أن يُطلب من المواطن أن يدفع أولًا، ثم ينتظر النتائج لاحقًا، فهذه ليست سياسة مالية مستدامة، بل إعادة إنتاج للأزمة بطريقة مختلفة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن يدفع المواطن ضريبة جديدة.

الأخطر أن يدفعها ثم لا يعرف أين ذهبت.

وهنا تحديدًا يكمن جوهر القضية.

فالنفايات قد تكون في الشوارع، لكن النفاية الأكبر هي في منظومة إدارة الأزمة نفسها: حين يصبح المواطن هو الحل الجاهز لكل عجز، بينما تبقى الدولة عاجزة عن إصلاح أسباب العجز.

ومن موقع الباحث في الشأن السياسي والاقتصادي، لا أرى في هذه القضية مجرد إجراء مالي عابر، بل اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الدولة في لبنان:

هل نحن أمام دولة تجمع المال لتبني خدمة عامة، أم أمام دولة تجمع المال لأنها عاجزة عن إصلاح نفسها؟

الجواب لن تحدده البيانات الرسمية.

ستحدده الفاتورة التي سيدفعها اللبناني، والخدمة التي سيحصل عليها مقابلها.

وإذا دُفعت الـ150 مليون دولار ولم تختفِ النفايات، فحينها لن تكون الدولة قد عالجت أزمة النفايات.

بل ستكون قد أضافت إلى نفايات الشوارع أزمةً أخرى: أزمة الثقة.