قبل انفجار الشرق الأوسط… كيف أوقفت الرياض وأنقرة حربًا بين واشنطن وطهران؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

قبل انفجار الشرق الأوسط… كيف أوقفت الرياض وأنقرة حربًا بين واشنطن وطهران؟

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث كانت طبول الحرب تُقرع على أبواب الخليج والشرق الأوسط، برزت الدبلوماسية الهادئة بوصفها خط الدفاع الأخير أمام انفجار واسع قد يغيّر وجه المنطقة لعقود. وقبل أسابيع قليلة من مواجهة كانت كفيلة بإعادة رسم خريطة المنطقة، تحرّكت ثلاث عواصم أساسية — الرياض ودوحة وأنقرة — بصمت، لمنع انزلاق واشنطن وطهران نحو حرب لا رابح فيها.

لم تكن هذه التحركات مجرد بيانات دبلوماسية عابرة، بل جاءت ضمن استراتيجية دقيقة، اعتمدت على قنوات خلفية واتصالات غير معلنة، هدفت إلى خفض منسوب التصعيد قبل أن يتحول أي حادث محدود إلى شرارة حرب شاملة.

برزت المملكة العربية السعودية في قلب هذا المشهد بوصفها الوسيط الأبرز، مستفيدة من مكانتها الإقليمية والدولية وخبرتها الطويلة في إدارة الملفات المعقدة. الرياض تحرّكت انطلاقًا من قراءة استراتيجية عميقة مفادها أن أي حرب جديدة في الخليج ستؤدي إلى انهيارات أمنية واقتصادية تمتد آثارها إلى العالم بأسره.

وبالتنسيق مع قطر 

 ودول الخليج، دفعت المملكة نحو بلورة تفاهمات غير مكتوبة، تضمن عدم التصعيد في الممرات البحرية والمجالات الجوية، وتضع خطوطًا حمراء تمنع الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.

في موازاة الدور الخليجي، تحرّكت أنقرة مستخدمة شبكة علاقاتها السياسية والاقتصادية مع طهران وواشنطن. تركيا، التي تدرك أن أي صدام واسع سيضرب مصالحها في سوريا والعراق وشرق المتوسط، اعتمدت سياسة «الوساطة الناعمة» بعيدًا عن الأضواء، مستندة إلى البراغماتية بدل الشعارات.

هذا الدور جعل من أنقرة لاعبًا صامتًا لكنه مؤثر، يساهم في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة حين تنقطع لغة السياسة الرسمية.

في هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتؤكد وجود نافذة تفاوضية مفتوحة، إذ قال إنه يأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران، مضيفًا:

«إذا لم نتوصل إلى اتفاق، فسوف نكتشف ما إذا كان محقًا أم لا»،

في إشارة واضحة إلى تفضيله المسار الدبلوماسي على الخيار العسكري في المرحلة الحالية.

بالتوازي، عبّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن البرنامج النووي، مؤكدًا أن طهران لا تزال ترى في الحوار سبيلًا لتجاوز الأزمة، وفق ما نقلته وسائل إعلام إقليمية.

هذه التصريحات المتزامنة من الطرفين تعكس تحوّلًا ملحوظًا في النبرة السياسية، وتؤكد أن جهود الوساطة الخليجية والتركية لم تكن بلا تأثير، بل ساهمت في إعادة فتح مسار التفاهم بعد أشهر من التوتر الحاد.

وسط هذا الحراك الدبلوماسي، يبرز السؤال الجوهري:

هل تمثّل هذه المرحلة بداية تحول حقيقي في سلوك إيران الإقليمي، أم مجرد هدنة تكتيكية مؤقتة؟

تشير المعطيات إلى أن طهران باتت أكثر وعيًا بكلفة المواجهة المفتوحة، في ظل الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية. كما أن استمرار قنوات الحوار مع دول الخليج يعكس إدراكًا متزايدًا بأن سياسة الصدام الدائم لم تعد مجدية.

غير أن هذا التحول يبقى هشًا، مرتبطًا بحسابات داخلية وإقليمية معقدة، وقد يتراجع عند أول اختبار جدي.

الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على منع الحرب، بل على بناء نموذج جديد للعلاقات الإقليمية، يقوم على:

احترام السيادة،

عدم التدخل في الشؤون

 الداخلية،

التعاون الأمني،

والشراكات الاقتصادية.

فإذا نجحت هذه المقاربة، قد تشهد المنطقة انتقالًا من منطق «توازن الرعب» إلى منطق «توازن المصالح».

ما يجري اليوم يعكس تحولًا نوعيًا في إدارة الأزمات في الشرق الأوسط. فبدل انتظار الانفجار ثم البحث عن حلول، بدأت بعض القوى الإقليمية تعتمد ما يُعرف بـ«الدبلوماسية الوقائية»، أي منع الأزمة قبل وقوعها.

وهذا التحول، إذا استمر، قد يكون أحد أهم إنجازات العقد الحالي، ويعيد للمنطقة جزءًا من قدرتها على إدارة شؤونها بعيدًا عن منطق الصراعات المفتوحة.

بين التوتر والتهدئة، تقف المنطقة اليوم عند مفترق طرق تاريخي.

إما أن تتحول الوساطة الخليجية والتركية إلى نقطة انطلاق نحو نظام إقليمي أكثر توازنًا،

وإما أن تبقى مجرد هدنة قصيرة في مسار طويل من الأزمات.

لكن المؤكد أن ما جرى أثبت حقيقة لا يمكن تجاهلها:

أن السياسة العاقلة، حين تُدار بحكمة وشجاعة، قد تمنع كوارث تعجز عنها أقوى الجيوش.

وفي شرقٍ أنهكته الحروب، قد تكون هذه الدبلوماسية الهادئة آخر فرصة لإنقاذ ما تبقى من الاستقرار.