بري في مواجهة سؤال عون الأصعب: من يملك قرار لبنان؟

بقلم ه‍ئية التحرير خاص مراسل

بري في مواجهة سؤال عون الأصعب: من يملك قرار لبنان؟

المعركة ليست على التفاوض مع إسرائيل فقط… بل على شكل لبنان الذي سيولد بعد الحرب

قد يبدو الخلاف بين الرئيس نبيه بري ورئيس الجمهورية جوزاف عون وكأنه خلاف حول التفاوض مع إسرائيل: هل يبدأ لبنان التفاوض أم يرفضه؟ لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن المسألة تتجاوز التفاوض بكثير.

السؤال الحقيقي هو: من يملك قرار لبنان؟ ومن يحدد شكل الدولة التي ستخرج من هذه الحرب؟

بري يرفع الصوت محذرًا من أي تفاوض قد يؤدي إلى التنازل عن حقوق لبنان أو تحويل الجنوب إلى ساحة لتجارب أمنية أو ترتيبات تفرضها القوى الخارجية. وهذا هاجس سيادي لا يمكن تجاهله، خصوصًا في ظل تاريخ طويل من الصراع والاحتلال والضغوط الدولية.

لكن في المقابل، هناك سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن للبنان أن يستعيد سيادته كاملة إذا بقي قرار الحرب والسلم موزعًا خارج مؤسسات الدولة؟

هنا تبرز رؤية الرئيس جوزاف عون التي تضع الدولة في قلب المعادلة: معالجة الاحتلال، تعزيز دور الجيش، وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري، بما يجعل الدولة اللبنانية صاحبة القرار الأول والأخير في شؤونها السيادية.

الدولة أولًا

المشكلة ليست في أن يتفاوض لبنان أو لا يتفاوض. المشكلة هي من يتفاوض باسم لبنان، وبأي تفويض، وتحت أي شروط؟

الدولة القوية لا تخشى التفاوض، لأنها تدخل إليه من موقع صاحب الحق، لا من موقع الطرف الضعيف. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تكون دولة كاملة إذا كان قرار الحرب والسلم قابلًا لأن يُتخذ خارج مؤسساتها.

لذلك، فإن استعادة القرار للدولة لا تعني الاستسلام لإسرائيل أو للولايات المتحدة، كما أن حماية السيادة لا تعني استمرار تعدد مراكز القرار.

المعادلة التي يحتاجها لبنان هي ببساطة: دولة قوية تفاوض، وجيش يحمي، ومؤسسات تقرر، وسيادة لا تخضع للإملاءات.

الجنوب ليس ورقة تفاوض

الجنوب اللبناني ليس مجرد ملف أمني يمكن رسم مستقبله في غرف التفاوض. إنه جزء أساسي من السيادة اللبنانية.

لكن حماية الجنوب لا تكون فقط بالشعارات، بل بوجود دولة قادرة على حماية حدودها وفرض سلطتها القانونية عليها.

وهنا تكمن أهمية بناء دولة تمتلك القدرة والقرار معًا. فلبنان لا يحتاج إلى استبدال نفوذ داخلي بنفوذ خارجي، بل إلى استعادة قراره الوطني من الجميع.

المعركة الحقيقية بعد الحرب

قد يكون الخلاف بين بري وعون في جوهره خلافًا حول كيفية استعادة الدولة لقرارها.

بري يخشى أن تتحول المفاوضات إلى مدخل للتنازل عن الحقوق اللبنانية. أما الرؤية التي تضع الدولة في مركز المعادلة فتطرح سؤالًا لا يمكن للبنان الهروب منه: ماذا يعني أن تكون هناك دولة إذا لم يكن قرار الحرب والسلم بيدها؟

هذه ليست دعوة إلى إلغاء أي طرف أو تجاهل تضحيات أحد، بل دعوة إلى الانتقال من منطق تعدد القوى إلى منطق الدولة.

فالجيش يجب أن يكون صاحب الدور الأمني الأساسي، والمؤسسات يجب أن تكون صاحبة القرار، والحكومة والدولة يجب أن تمتلكا التفويض الوطني الكامل في أي تفاوض يتعلق بمصير لبنان.

لبنان الذي نريده

بعد كل هذه الحروب والأزمات، لا يحتاج لبنان إلى تسوية مؤقتة تعيد إنتاج المشكلة نفسها.

يحتاج إلى دولة كاملة السيادة، قادرة على حماية أرضها، والدفاع عن حقوقها، والتفاوض باسم جميع اللبنانيين.

قد يختلف اللبنانيون على الوسائل، لكن لا يجوز أن يختلفوا على الهدف:

قرار واحد، جيش واحد، دولة واحدة، وسيادة واحدة.

وهنا تصبح المعركة الحقيقية ليست بين بري وعون، ولا بين الدولة والمقاومة، بل بين نموذجين للبنان:

لبنان يبقى فيه القرار موزعًا بين قوى متعددة، ولبنان يصبح فيه القرار السيادي ملكًا للدولة وحدها.

وإذا كان لا بد للبنان أن يخرج من هذه الحرب أقوى، فالقوة الحقيقية ليست في عدد الأسلحة ولا في حجم الضغوط الخارجية، بل في أن يصبح هناك لبنان واحد يتحدث بقرار واحد.

لأن الدولة التي لا تملك قرارها، مهما كانت مؤسساتها قوية، تبقى ناقصة السيادة.

أما الدولة التي تملك قرارها، فهي وحدها القادرة على حماية شعبها وحقوقها والتفاوض من موقع الندّ.