لبنان ليس استثناءً… بل إنذار مبكر لعالم يتجاهل الحقيقة

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

لبنان ليس استثناءً… بل إنذار مبكر لعالم يتجاهل الحقيقة

في كل مرة ينهار فيها لبنان، يتعامل معه العالم كحالة خاصة: بلد صغير، نظام معقّد، انقسامات تاريخية، وظروف “استثنائية”.

ما يجري هناك ليس فوضى عشوائية، بل نتيجة منطقية لمسار طويل:

حين تفشل المجتمعات في بناء أرضية مشتركة، تتحول السياسة إلى ساحة تصفية حسابات، ويتحوّل الاختلاف من تنوع إلى أداة كسر.

في لبنان، لا أحد يثق بالكامل، ولا أحد يملك القدرة الكاملة.
الجميع يتحرك، لكن ضمن حدود غير مرئية.
تُرفع الشعارات الكبيرة، لكن القرارات الحاسمة تُصنع في أماكن أخرى، أو تُفرض عبر موازين لا يمكن التحكم بها محلياً.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
حين يدرك كل طرف أنه لا يستطيع الحسم وحده، بدلاً من البحث عن تسوية داخلية، يتجه إلى الخارج بحثاً عن دعم أو حماية أو ترجيح كفة.
وبهذه اللحظة تحديداً، يفقد ما تبقى له من استقلال قراره.

المعادلة بسيطة لكنها قاسية

كلما زاد الاعتماد على الخارج، تقلصت القدرة على بناء الداخل.

وكلما تآكل الداخل، أصبح الخارج أكثر حضوراً وتأثيراً.

هذه ليست نظرية، بل واقع يتكرر.
وفي كل مرة، يدفع الناس العاديون الثمن: اقتصاد ينهار، مؤسسات تضعف، وأمل يتآكل ببطء.

الأخطر من كل ذلك، أن الصراع لم يعد حول حلول، بل حول مواقع.

ليس من أجل إنقاذ البلد، بل من أجل تحديد من يمسك بزمام اللحظة  حتى لو كانت لحظة انهيار.

وهنا تكمن المفارقة:
الجميع يخشى الخسارة، لكن السلوك الجماعي يقود إليها.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى “منتصر جديد”، بل إلى تغيير في طريقة التفكير نفسها

لأن أي محاولة للسيطرة الكاملة في بيئة منقسمة بهذا الشكل، لن تؤدي إلى استقرار، بل إلى انفجار مؤجل.

وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه، فهو ليس محلياً فقط.

المنطقة بأكملها تسير على حافة نمط مشابه:
انقسامات عميقة، ثقة ضعيفة، وتدخلات تزيد التعقيد بدل أن تحلّه.

لهذا، فإن السؤال لم يعد: كيف ينهض لبنان؟
بل: هل يمكن كسر هذه الدائرة قبل أن تصبح القاعدة في أماكن أخرى؟

ما لم يحدث تغيير حقيقي في طريقة إدارة الخلاف، وفي تعريف المصلحة، سيبقى المشهد كما هو:
وجوه تتغير، عناوين تتبدل، لكن النتيجة واحدة.

لبنان لا ينهار لأنه ضعيف فقط، بل لأنه عالق في معادلة تُعيد إنتاج أزماته.

والخروج منها لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار صعب:
الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة،
ومن البحث عن دعم خارجي إلى بناء توازن داخلي.

قد يبدو ذلك مثالياً، وربما متأخراً.
لكن البديل واضح، وقد جُرّب مراراً.


ولم يؤدِّ إلا إلى النتيجة نفسها.