من أخطأ؟ ألف هاتف تكشف كيف تدفع الدولة أخطاءها إلى جيب المواطن
بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز
ليست قصة ألف هاتف غير مجمرك في لبنان مجرد مشكلة جمركية عابرة، ولا قضية تقنية تتعلق بتشغيل أجهزة على شبكة الاتصالات. خلف هذه القضية سؤال أكبر بكثير: ماذا يحدث عندما تفشل مؤسسات الدولة في أداء دورها في المكان والوقت الصحيحين، ثم تنتقل كلفة هذا الفشل في النهاية إلى المواطن؟
هنا تكمن خطورة الملف.
فالمواطن الذي اشترى هاتفاً من السوق لم يكن هو المستورد، ولم يقدّم التصريح الجمركي، ولم يحدد قيمة الرسم، ولم يكن مسؤولاً عن إدخال بيانات الجهاز إلى المنصة، ولم يكن يملك سلطة التأكد من أن الرسوم المتوجبة قد سُددت عند دخول الهاتف إلى لبنان. ومع ذلك، يجد نفسه اليوم أمام احتمال دفع رسم أو مواجهة تعطيل جهاز أصبح ملكاً له.
وهنا يجب أن يتغير السؤال بالكامل.
ليس السؤال الحقيقي: لماذا لم يدفع صاحب الهاتف الرسم؟
السؤال الحقيقي هو: من كان مسؤولاً عن التأكد من دفعه قبل أن يصل الهاتف إلى المواطن؟
هذا الفرق في صياغة السؤال هو الفرق بين معالجة سطحية للملف وفتح نقاش جدي حول طريقة عمل الدولة.
فالسلعة لا تولد في يد المستهلك. هناك سلسلة كاملة تسبق وصولها إليه: مستورد، تصريح، جمارك، رسوم، رقابة، سوق، تاجر، ثم مواطن. وإذا فشلت الرقابة في إحدى الحلقات الأولى، فمن غير المنطقي أن تصبح الحلقة الأخيرة هي الجهة التي تتحمل وحدها النتيجة.
المواطن ليس موظف جمارك.
ولا يملك المواطن، عندما يدخل متجراً لشراء هاتف، أن يعرف ما إذا كان المستورد قد صرّح عن الجهاز بصورة صحيحة، أو ما إذا كانت الكمية المستوردة قد سُجلت بالكامل، أو ما إذا كانت الرسوم قد استوفيت وفق الأصول. هو يشتري سلعة يفترض أنها موجودة في السوق بصورة قانونية، ويفترض، بحكم المنطق الطبيعي للدولة، أن الجهات المختصة قامت بواجبها قبل أن تصل السلعة إلى يده.
أما أن تتحول الدولة بعد ذلك إلى المواطن لتطالبه بتصحيح خطأ لم يكن شريكاً فيه، فهذه ليست مجرد مسألة مالية. إنها مسألة عدالة في توزيع المسؤولية.
الأخطر من ذلك أن القضية تكشف تداخلاً بين اختصاصات مختلفة. فإذا كانت الجمارك هي الجهة المعنية بتحديد الرسوم واستيفائها، وكانت وزارة الاتصالات مسؤولة أساساً عن الجانب التقني وربط بيانات الأجهزة بالشبكات، فإن السؤال يصبح مشروعاً: لماذا احتاجت مشكلة جمركية إلى أن تصل إلى شبكة الاتصالات أصلاً؟
لا أحد يقول إن الدولة لا يحق لها تحصيل الرسوم المستحقة. بالعكس، الرسوم التي يفرضها القانون يجب أن تُستوفى. لكن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على تحصيل المال، بل بقدرتها على تحصيله من الجهة الصحيحة، وفي الوقت الصحيح، وبالآلية الصحيحة.
إذا كان الرسم يجب أن يُستوفى عند دخول السلعة إلى لبنان، فإن اكتشاف المشكلة بعد انتقال السلعة إلى المواطن يعني أن هناك خللاً يجب أن يُبحث قبل البحث عن فاتورة يدفعها المستهلك.
وهنا تظهر المفارقة التي لا يجوز تجاوزها: الدولة التي تمتلك الحدود والجمارك وأجهزة الرقابة وقواعد البيانات والمنصات الإلكترونية، كيف تسمح بانتقال المشكلة من نقطة الدخول إلى السوق، ثم إلى منزل المواطن؟
هل أصبح المطلوب من اللبناني عندما يشتري هاتفاً أن يتحول إلى مفتش جمركي؟
هل عليه أن يطلب من التاجر مستندات الاستيراد؟
هل عليه أن يعرف ما إذا كان المستورد قد صرّح عن الهاتف؟
هل عليه أن يتحقق من قيمة الرسوم التي سددها المستورد؟
وإذا لم يفعل، هل يصبح هو المسؤول عن خطأ لم يكن قادراً أصلاً على اكتشافه؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً أو إعلامياً. إنها جوهر القضية.
والأهم أن الدولة نفسها، وفق ما يورده الملف، تتجه إلى إعادة تنظيم الآلية بحيث تتولى الجمارك إدخال الرسوم إلى المنصة. وهذه الخطوة، أياً كانت تفاصيلها التنفيذية، تعيد النقاش إلى مكانه الطبيعي: كل اختصاص يجب أن يعود إلى الجهة التي تملك مسؤوليته القانونية والإدارية.
الجمارك للجمارك، والاتصالات للاتصالات.
وعندما تتداخل الوظائف، لا تضيع الإجراءات فقط؛ تضيع معها المسؤولية.
لكن هناك جانباً آخر أكثر حساسية في القضية، يتعلق بما نُقل عن وجود نفوذ أو ضغوط مرتبطة بأحد وكلاء أجهزة الخليوي في مراحل سابقة من اعتماد هذه الآلية وإلغائها ثم إعادة العمل بها. وهذه النقطة تحديداً يجب أن تُعامل بأعلى درجات الحذر المهني. فالروايات المنسوبة إلى مصادر لا تصبح حقائق بمجرد نشرها، وأي حديث عن نفوذ أو ضغط يحتاج إلى مستندات أو قرائن مستقلة وحق كامل في الرد.
الصحافة القوية ليست التي تطلق الاتهام الأسرع.
الصحافة القوية هي التي تطرح السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه، ثم تطلب الدليل.
ولهذا يجب أن يتركز التحقيق الحقيقي على القرارات والوثائق والتسلسل الزمني: متى اعتمدت الآلية؟ لماذا أُلغيت؟ لماذا عادت؟ من اقترحها؟ من وافق عليها؟ من استفاد منها؟ ومن كان يتحمل مسؤولية نتائجها؟
إذا ظهرت الأدلة، فلتتكلم.
وإذا لم تظهر، فليبقَ الكلام في إطار ما هو منسوب إلى مصادر، لا أكثر.
لكن حتى من دون هذه الرواية الحساسة، يبقى السؤال الأساسي قائماً.
من أخطأ عند الحدود؟
ومن سمح للخطأ بأن يعبر الحدود؟
ومن سمح له بأن يصل إلى السوق؟
ولماذا اكتشفته الدولة بعد أن أصبح الهاتف في يد المواطن؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تفتحها قضية الألف هاتف.
لأن الرقم نفسه ليس المشكلة الحقيقية.
قد يكون ألفاً اليوم، لكن السؤال هو: كم مرة يمكن أن يتكرر النموذج نفسه في ملفات أخرى؟
أن تفشل الدولة في المرحلة الأولى، ثم تبحث عن أسهل جهة لتحميلها الكلفة في المرحلة الأخيرة.
أن يتأخر التدقيق، ثم يتحول التأخير إلى مطالبة.
أن تتداخل الصلاحيات، ثم يدفع المواطن ثمن هذا التداخل.
أن تضيع المسؤولية بين المؤسسات، بينما تبقى فاتورة الخطأ واضحة في يد المواطن.
هذه هي القضية التي يجب أن تقلق الرأي العام.
فالمواطن لا يطلب إسقاط القانون، ولا يطالب بإعفائه من الرسوم المستحقة، ولا يريد أن يصبح الاستيراد غير الشرعي أمراً مشروعاً.
هو يطلب شيئاً أكثر بساطة: أن يتحمل كل طرف مسؤوليته.
إذا كان المستورد قد أخطأ، فليُسأل.
إذا كان هناك خلل في التصريح، فليُدقق.
إذا كان هناك تقصير في التحصيل، فلتُحدد الجهة المسؤولة عنه.
إذا كان هناك خلل تقني، فليُصحح.
أما المواطن الذي اشترى هاتفه من السوق بحسن نية، فلا يجوز أن يتحول إلى الحلقة التي تدفع ثمن فشل السلسلة كلها.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
الدولة القوية ليست الدولة التي تستطيع أن توقف هاتف المواطن عن العمل. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تمنع وصول الهاتف غير المستوفي للرسوم إلى المواطن من الأساس.
والدولة العادلة ليست التي تكتشف الخطأ بعد وقوعه ثم تبحث عمن يدفع ثمنه.
الدولة العادلة هي التي تحدد المسؤولية قبل أن يتحول الخطأ إلى أزمة.
لهذا، فإن ملف الألف هاتف يجب ألا يُغلق بمجرد تحصيل الرسوم وإعادة تشغيل الأجهزة.
بل يجب أن يكون مناسبة لفتح ملف أكبر: ملف المسؤولية داخل الدولة.
من يقرر؟
من يراقب؟
من يحاسب؟
ومن يدفع عندما يفشل الجميع؟
لأن أخطر ما في القضية ليس أن هناك ألف هاتف غير مجمرك.
الأخطر أن المواطن قد يجد نفسه مرة أخرى في نهاية كل سلسلة من سلاسل الخلل، واقفاً وحده أمام فاتورة لم يصنعها.
وهنا يجب أن يكون السؤال الوطني واضحاً وصريحاً:
إذا أخطأت الدولة عند الحدود، فلماذا يجب أن يدفع المواطن عند باب منزله؟
هذه ليست قضية ألف هاتف.
إنها قضية ألف جرس إنذار.
العنوان البديل الأكثر زلزالاً:
«من أخطأ عند الحدود؟ ألف هاتف تكشف كيف تنتقل أخطاء الدولة إلى جيب المواطن»
والأكثر سياسية واستراتيجية:
«حين تفشل الدولة… يدفع المواطن: ألف هاتف تكشف أزمة المسؤولية في لبنان»