بين "الإبادة" و"إسقاط الحكومة".. ماذا يكشف خطاب نعيم قاسم عن لبنان المرحلة المقبلة؟

بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم

بين "الإبادة" و"إسقاط الحكومة".. ماذا يكشف خطاب نعيم قاسم عن لبنان المرحلة المقبلة؟

ليست أهمية خطاب نعيم قاسم في ما قاله فحسب، بل في التوقيت الذي اختار أن يقوله فيه. فلبنان يقف عند تقاطع حساس: ضغوط دولية متزايدة لتعزيز سلطة الدولة، نقاش داخلي حول مستقبل السلاح، وتحولات إقليمية قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.

في هذا السياق، جاءت عبارتان لتختصرا جوهر الخطاب: "نزع السلاح إبادة" و "من حق الشعب إسقاط الحكومة".

العبارة الأولى تنقل ملف السلاح من كونه قضية سياسية قابلة للنقاش إلى قضية وجودية. فعندما يُقدَّم الأمر باعتباره مسألة بقاء لا مسألة خيارات سياسية، يصبح التراجع أو التسوية أكثر صعوبة. هذه ليست مجرد لغة خطابية؛ إنها طريقة لتحديد حدود التفاوض وحدود التنازل.

أما العبارة الثانية، فتشير إلى أن النقاش لم يعد محصوراً بين الدولة والحزب داخل المؤسسات، بل قد يمتد إلى الشارع إذا شعر الحزب أو مؤيدوه بأن هناك مساراً يستهدف دورهم أو نفوذهم. سواء اتفق المرء مع هذا الطرح أو اختلف معه، فهو يكشف أن التوتر لا يدور فقط حول السلاح، بل حول توزيع القوة والقرار داخل الدولة اللبنانية.

والأهم أن الخطاب جاء متزامناً مع حديث قاسم عن إيران والتفاهمات الدولية المحتملة. وهذا يوحي بأن الحزب يرى نفسه جزءاً من مشهد إقليمي أوسع، وأن أي تغيّر في التوازنات الخارجية قد ينعكس على موقعه داخل لبنان.

من هنا، يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لتحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد:

طمأنة القاعدة الشعبية بأن الحزب لن يقبل بأي تغيير جذري في موقعه أو قدراته.

توجيه رسالة إلى الدولة اللبنانية بأن ملف السلاح ليس تفصيلاً يمكن التعامل معه بمعزل عن التوازنات السياسية والاجتماعية القائمة.

إبلاغ الخارج بأن أي ترتيبات إقليمية أو ضغوط دولية لن تكون كافية وحدها لإعادة صياغة المعادلة اللبنانية.

لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يعكس هذا الخطاب شعوراً بالقوة أم شعوراً بارتفاع مستوى التحدي؟

في كثير من الأحيان، تلجأ القوى السياسية إلى لغة أكثر حدة عندما تشعر بأن البيئة المحيطة بها تتغير بسرعة. لذلك قد يُقرأ الخطاب أيضاً باعتباره محاولة لتثبيت الخطوط الحمراء قبل الدخول في مرحلة سياسية جديدة، لا مجرد رد فعل على حدث آني.

الرهان الحقيقي في لبنان اليوم لا يتعلق بالسلاح وحده، ولا بالحكومة وحدها، بل بالسؤال الأكبر: كيف ستُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والعسكرية المؤثرة في السنوات المقبلة؟

من هذه الزاوية، يبدو خطاب نعيم قاسم أقل ارتباطاً بالحاضر وأكثر ارتباطاً بمعركة المستقبل؛ معركة تحديد شكل الدولة، وحدود السلطة، ومن يملك التأثير في القرارات المصيرية للبنان.