الشرق الأوسط يشتعل: حرب بلا نصر… ومصير العالم يُعاد كتابته

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

الشرق الأوسط يشتعل: حرب بلا نصر… ومصير العالم يُعاد كتابته

في خضم التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، يتضح أن ما يُقدم على أنه حرب تقليدية بين قوى إقليمية وعالمية ليس سوى فصل من فصل أعقد من الصراع على النفوذ والسيطرة. تصاريح الصين، الولايات المتحدة، إيران، وإسرائيل، بالإضافة إلى التحركات العربية والباكستانية، تكشف جميعها عن لعبة استراتيجية عميقة تدور حول إعادة رسم ميزان القوى الإقليمي، لا الانتصار العسكري التقليدي.

الصين تقدم نفسها كوسيط سلام عالمي، متحدثة عن رفض استخدام القوة وضرورة احترام الحقوق، لكنها عمليًا تتحرك وفق مصالحها الاقتصادية الكبرى، خصوصًا فيما يتعلق بتدفق النفط من مضيق هرمز. تصريحات مبعوث بكين تؤكد أن بكين تريد الحفاظ على صورة القوة المسؤولة عالميًا، مع تجنب أي مواجهة مباشرة مع إيران حليفتها الاستراتيجية، ما يعكس مهارة دبلوماسية تسعى لاحتكار رواية السلام دون دفع ثمن المواجهة.

في المقابل، الولايات المتحدة لا تسعى إلى حسم الحرب ميدانيًا، بل إلى صياغة نتائج تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية. تهديدات ترامب بضرب منشآت النفط الإيرانية ودراسة نشر قوات برية محدودة مثل “الفرقة 82 المحمولة جويًا” تظهر أن الهدف ليس السيطرة الكاملة، بل الضغط لفرض شروط تفاوضية محسوبة. كل تحرك عسكري أمريكي هو جزء من لعبة أكبر، تهدف إلى تحسين موقف واشنطن على طاولة المفاوضات، دون الانجرار إلى صراع طويل قد يضر بصورة الإدارة.

إيران من جانبها تتصرف بعقلية الضغوط المضادة. إغلاق مضيق هرمز وتهديد المنشآت الحيوية ليس عملًا انتقاميًا فحسب، بل استراتيجية محسوبة لرفع تكلفة الحرب على الخصوم وإجبارهم على الجلوس على طاولة تفاوض في ظروف أقرب إلى ما ترغب فيه طهران. ما يظهر على أنه تحدٍ عسكري، هو في الواقع أداة سياسية ذكية لضمان موقع قوي في المرحلة القادمة.

إسرائيل، اللاعب العسكري الأكثر حضورًا في الميدان، تعترف علنًا أنها ليست صانع القرار، وأن جميع خياراتها مرتبطة بالقرار الأمريكي. هذا الإقرار يفضح طبيعة المشهد، ويظهر أن الحرب تُدار من خلف الكواليس السياسية أكثر من كونها معركة ميدانية تقليدية. إسرائيل تلعب دور المنفذ العسكري ضمن حدود ضيقة، بينما يُترك الحسم الفعلي لأطراف أخرى.

الدول العربية، وعلى رأسها مصر والسعودية، تعمل على توحيد صفوفها لتجنب تهميشها في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية. مبادرات مثل تعزيز مفهوم “الأمن العربي الجماعي” وإعادة إحياء اتفاقية “الدفاع العربي المشترك” غير المفعلة تشير إلى رغبة في لعب دور مؤثر في صياغة النظام الإقليمي لما بعد الحرب، ومنع فرض أي حلول خارجية من القوى الكبرى.

باكستان، التي تبرز كمكان محتمل للمفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، تقدم أرضية حيادية نسبيًا، تجمع بين علاقات متوازنة مع إيران وشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، ما يجعلها جسرًا دبلوماسيًا مهمًا للتهدئة أو كسب الوقت. صمت المسؤولين الباكستانيين عن أي إعلان رسمي حول استضافة المفاوضات يعكس حساسية الموقف وعمق الحسابات الإقليمية والدولية الجارية خلف الكواليس

الحقيقة الصادمة هي أن لا أحد يسعى حقًا إلى الانتصار النهائي على الآخر. أمريكا لا تريد مواجهة طويلة، إيران لا تبحث عن هزيمة كاملة، الصين تسعى لموقع استراتيجي، العرب يحاولون الحفاظ على دور مؤثر، وإسرائيل ملزمة بالقرارات الأمريكية. ما يحدث إذًا ليس حربًا بمعناها التقليدي، بل حرب ضغط واستعراض نفوذ، حيث تُستخدم الميادين والتصريحات كأدوات لتقوية موقع كل طرف على طاولة التفاوض المستقبلية، بينما يبقى الهدف الحقيقي هو صياغة قواعد اللعبة الجديدة في المنطقة.

الشرق الأوسط إذن لا يعيش صراعًا عسكريًا فقط، بل يشهد عملية إعادة هندسة استراتيجية معقدة، حيث القوة لا تُقاس بالمعارك، بل بالقدرة على التحكم في سردية المرحلة القادمة. السؤال الأكبر لم يعد: من سينتصر؟ بل: من سيكتب شروط ما بعد الحرب ويحدد مسار الأمن والاستقرار في المنطقة؟ ومن ينجح في هذا لن يحتاج إلى الفوز في الحرب نفسها.