بين “صفر تخصيب” وسقوط النظام: هل تدق واشنطن أبواب الحرب مع طهران؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في الشرق الأوسط، لا تُحرّك حاملات الطائرات لمجرد الاستعراض. وعندما تتجمع مجموعتان قتاليتان أميركيتان في مدى ضرب إيران، ومعهما عشرات القاذفات وطائرات التزود بالوقود وبطاريات الدفاع الصاروخي، فذلك لا يكون تمرينًا روتينيًا. إنه إعلان صامت بأن الخيارات انتقلت من الورق إلى المدار العملياتي.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل ستقع الضربة؟
السؤال الأخطر: ماذا تريد واشنطن حقًا من إيران؟
المعادلة التي يجري تسويقها تبدو بسيطة:
ضربة محددة الأهداف إذا فشلت الدبلوماسية.
ثم، إن لم ترتدع طهران، ضربة أكبر قد تفتح الباب أمام تغيير في القيادة.
غير أن التاريخ العسكري يعلمنا أن "الضربة المحدودة" نادرًا ما تبقى محدودة. فالعمل العسكري، حتى لو كان محسوبًا بدقة، يحمل دائمًا عنصرًا لا يمكن ضبطه: رد الفعل. وإيران ليست هدفًا تقليديًا. إنها دولة ذات بنية عسكرية غير متماثلة، وشبكة إقليمية ممتدة، وقدرة صاروخية تجعل أي حسابات نظيفة على الورق عرضة للفوضى في الميدان.
الأهم أن واشنطن تدرك أن إسقاط النظام الإيراني ليس عملية جراحية جوية. لا توجد "زر إعادة ضبط" في طهران. أي مسار نحو تغيير القيادة سيعني حرب استنزاف مفتوحة، وتورطًا عميقًا في جغرافيا سياسية شديدة التعقيد.
العبارة الأكثر حساسية في المشهد هي “صفر تخصيب”.
هي ليست مطلبًا تقنيًا فقط، بل رمز سيادي.
بالنسبة لواشنطن، تعني إغلاق المسار نحو السلاح النووي.
وبالنسبة لطهران، تعني الاعتراف بالهزيمة الاستراتيجية.
هنا يظهر المقترح الذي يتحدث عن تخصيب محدود للغاية لأغراض طبية. قد يبدو تفصيلاً تقنيًا صغيرًا، لكنه في الحقيقة صمام أمان سياسي. يسمح لإيران بالقول إنها لم تتخل عن حقها في التخصيب، ويسمح لواشنطن بإعلان أنها أغلقت الطريق نحو القنبلة.
هذه ليست تسوية تقنية، بل هندسة دقيقة لخطاب الانتصار لدى الطرفين.
اللافت أن النقاش داخل الإدارة الأميركية – وفق التسريبات – لا يبدو حاسمًا. المؤسسة العسكرية لا تقدم ضمانات قاطعة. أجهزة الاستخبارات تحذر من التعقيد. بعض السياسيين يدفع نحو الحزم، وآخرون يطالبون بالحذر.
وهنا تكمن المفارقة:
كلما ازداد الحشد العسكري، تضاءلت مساحة المناورة السياسية.
فالقوة العسكرية حين تُستعرض بهذا الحجم، تخلق ضغطًا ذاتيًا على صانع القرار. التراجع بلا مقابل يبدو ضعفًا. والمضي قدمًا يحمل مخاطر الانفجار الإقليمي.
الرهان الأميركي الضمني هو أن الضغط العسكري سيدفع طهران إلى التنازل. لكن ثمة احتمال آخر لا يقل واقعية: أن يؤدي أي هجوم إلى رد فعل قومي يوحّد الداخل الإيراني، حتى بين خصوم النظام.
التاريخ الإيراني الحديث يُظهر أن التهديد الخارجي يعيد ترتيب الأولويات الوطنية. البرنامج النووي، مهما كانت كلفته، تحوّل في وعي شريحة واسعة إلى رمز سيادة لا مجرد مشروع تقني.
ضربة خاطئة قد لا تُضعف القيادة، بل تعيد إنتاج شرعيتها تحت شعار الدفاع عن الوطن.
ليس لإيران وحدها.
الحشد رسالة إلى الحلفاء الأوروبيين المترددين.
ورسالة إلى الدول العربية التي لا ترغب في حرب مفتوحة.
ورسالة إلى إسرائيل بأن واشنطن لا تزال صاحبة القرار النهائي.
ورسالة داخلية إلى الناخب الأميركي بأن “الردع عاد”.
لكن تعدد الرسائل قد يكشف عن تعدد الأهداف.
هل الهدف منع السلاح النووي فقط؟
أم إضعاف إيران إقليميًا؟
أم إعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط؟
حين تتعدد المبررات، يصبح تعريف النجاح ضبابيًا.
ما يجعل هذه المرحلة حساسة ليس فقط احتمال الضربة، بل التداخل بين مسارين متوازيين:
تصعيد عسكري حقيقي... ومخرج تفاوضي قابل للحياة.
الفارق بين المسارين قد يكون قرارًا يتخذ في غرفة مغلقة، لكن نتائجه ستعيد تشكيل الإقليم لسنوات.
ليست المسألة حربًا تقليدية بقدر ما هي لعبة أعصاب على أعلى مستوى.
واشنطن تختبر حدود الصمود الإيراني.
وطهران تختبر حدود الإرادة الأميركية.
في مثل هذه اللحظات، لا ينتصر الأقوى عسكريًا بالضرورة، بل الأكثر قدرة على إدارة التوتر دون الانزلاق إلى الهاوية.
الضربة قد تقع.
وقد لا تقع.
لكن المؤكد أن الشرق الأوسط دخل مرحلة إعادة تعريف للردع، وللخطوط الحمراء، وللمعادلة النووية.
والسؤال الذي سيحدّد شكل العقد المقبل هو:
هل ستنجح القوة في فرض الدبلوماسية… أم ستفشل الدبلوماسية فتفرض القوة كلمتها الأخيرة؟