بين بعبدا وحارة حريك: نبيه بري يقود معركة التهدئة وحصر السلاح

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

بين بعبدا وحارة حريك: نبيه بري يقود معركة التهدئة وحصر السلاح

لم يعد لبنان يملك ترف إدارة أزماته بالترقيع ولا بالتهدئة المؤقتة. البلاد تقف اليوم أمام لحظة قرار تاريخية: إما استعادة الدولة بكامل صلاحياتها، أو البقاء في دائرة الخطر المفتوح، حيث السلاح خارج الشرعية يتحول، مهما كانت نواياه، إلى عبء على الوطن وأهله.

على مدى أربعين عامًا، شكّل وجود سلاح خارج إطار الدولة معادلة مركّبة. نعم، لعبت المقاومة دورًا في حماية لبنان في مراحل مفصلية، لكن هذا الدور، مع تغيّر موازين القوى والظروف الإقليمية، تحوّل تدريجيًا إلى إشكالية بنيوية: إضعاف الدولة، انقسام القرار الوطني، وفتح الباب أمام استباحة السيادة اللبنانية من قبل إسرائيل وغيرها.

اليوم، ومع تشدد رئيس الجمهورية جوزيف عون في مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وقيام رئيس مجلس النواب نبيه بري بدور تهدوي ووسطي لتفادي الانفجار الداخلي، تتبلور فرصة نادرة لإطلاق مبادرة وطنية حقيقية، لا تقوم على كسر أي طرف، بل على إعادة بناء الدولة من الداخل.

الهدوء النسبي الذي سُجّل أخيرًا على خط بعبدا – حارة حريك لا يمكن قراءته كتحول جذري في المواقف، بل كـ تهدئة ضرورية لمنع الانزلاق. قنوات التواصل لا تزال مفتوحة، ومساعي التخفيف من الاحتقان لم تُلغِ الخلاف، لكنها منعت انفجاره. وهذا بحد ذاته مؤشر خطير وإيجابي في آن واحد: خطير لأن الوضع قابل للاشتعال في أي لحظة، وإيجابي لأن باب الحل لم يُقفل بعد.

غير أن الأخطر مما يجري في الغرف السياسية، هو ما يظهر في الشارع. التوتر المتصاعد داخل البيئة الشيعية نفسها، وارتفاع منسوب القلق من حرب جديدة وما يرافقها من دمار وتهجير، يكشفان حقيقة لا يمكن تجاهلها: الناس لم تعد تريد شعارات، بل دولة تحميها.

من استراتيجية دفاعية إلى استراتيجية وطنية

المشكلة في لبنان لم تكن يومًا في مبدأ الدفاع عن الوطن، بل في غياب الاستراتيجية الوطنية الشاملة. الاستراتيجية الدفاعية، بصيغتها الضيقة، لم تعد كافية. المطلوب اليوم هو انتقال شجاع نحو استراتيجية وطنية:

قرار الحرب والسلم حصري بيد الدولة

السلاح تحت مظلة الجيش والمؤسسات الشرعية

حماية الجنوب لا تكون عبر تعدد مراكز القرار، بل عبر توحيدها

إزالة الذرائع التي تسمح لإسرائيل باستباحة الأرض والسماء

هذا لا يعني نفي تاريخ أو تضحيات، بل تحويلها إلى قوة داخل الدولة، لا خارجه

لبنان لا يطلب سلامًا مع إسرائيل، ولا خروجًا عن الإجماع العربي. مبادرة السلام العربية (قمة بيروت 2002) لا تزال الإطار السياسي الواضح: لا سلام من دون انسحاب وحقوق. لكن في المقابل، لا يمكن للبنان أن يبقى ساحة مفتوحة.

دعوة إلى قادة الدولة

هذه المقالة ليست إدانة، ولا تحريضًا، ولا اصطفافًا. إنها دعوة صريحة ومسؤولة إلى فخامة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب لقيادة مبادرة إنقاذ وطني، تقوم على:

حوار استراتيجي جدي مع حزب الله

حصر السلاح بيد الدولة ضمن جدول زمني واضح

حماية السلم الأهلي قبل فوات الأوان

إعادة الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة

لبنان لا يُنقذ بالشعارات، ولا بالمواجهة الداخلية، ولا بالتهدئة المؤقتة.

يُنقذ فقط عندما تصبح الدولة أقوى من السلاح، والشرعية أقوى من الواقع، والمصلحة الوطنية أعلى من كل الحسابات.

هذه لحظة القرار.

إما دولة واحدة بقرار واحد،

أو وطن معلّق على حافة الانفجار.

النقطة على السطر.