باب المندب.. اللحظة التي انكسر فيها الرهان الإيراني

بقلم اللواء اشرف ريفي نائب في البرلمان للبناني

باب المندب.. اللحظة التي انكسر فيها الرهان الإيراني

عندما تتحول خسارة موقع إلى هزيمة في حسابات النفوذ

في الحروب الكبرى، لا تكون أخطر الهزائم دائماً تلك التي تُعلن بصوت مرتفع. أحياناً تبدأ الهزيمة عندما يكتشف طرف ما أن ما اعتقد أنه ورقة استراتيجية لم يعد ملكاً له وحده.

وهذا تحديداً ما يجعل معركة باب المندب مختلفة.

فالمسألة لم تكن مجرد تقدم لقوات الشرعية اليمنية، ولا مجرد تراجع للحوثيين من موقع بالغ الحساسية. إنها مواجهة بين مشروعين: مشروع يحاول تحويل القوة المسلحة والجغرافيا إلى نفوذ إقليمي، ومشروع يسعى إلى استعادة الدولة وتثبيت موازين جديدة بدعم سعودي وتحالف أوسع.

الحوثيون.. حين تتجاوز الطموحات قدرة الميدان

أكبر مأزق واجه الحوثيين لم يكن نقص السلاح، بل فائض الرهان.

فالجماعة استطاعت أن تبني قوة عسكرية وأن تستفيد من الدعم والخبرة الإيرانية، وأن تصل إلى مناطق ذات قيمة استراتيجية. لكن الوصول إلى الموقع شيء، وتحويله إلى نفوذ دائم شيء آخر.

فالسيطرة على الجغرافيا لا تصنع وحدها دولة، ولا تمنح تلقائياً شرعية، ولا تضمن استمرار خطوط الإمداد، ولا تستطيع بمفردها مواجهة تحالف يمتلك التفوق الجوي والسياسي والدبلوماسي.

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قيمة باب المندب في الحساب الحوثي، ازدادت قيمة استعادته في الحساب المقابل.

إيران.. السلاح يستطيع فتح الجبهة، لكنه لا يصنع النهاية

تكشف هذه المعركة، في أحد أبعادها، حدود الاستراتيجية الإيرانية القائمة على دعم الحلفاء المحليين.

إيران تستطيع أن توفر السلاح والخبرة والتكنولوجيا، لكنها لا تستطيع أن تمنح الوكيل تلقائياً شرعية وطنية أو إجماعاً سياسياً أو دولة مستقرة.

وهذا هو الفارق بين النفوذ التكتيكي والنفوذ الاستراتيجي.

يمكن لطهران أن تساعد حليفها على تهديد خصومه، لكن السؤال الأصعب هو: هل يستطيع هذا الحليف الاحتفاظ بمكاسبه عندما تتشكل إرادة إقليمية ودولية مضادة؟

إذا كانت الإجابة سلبية، فإن المشكلة لا تعود مشكلة الحوثيين وحدهم، بل تصبح اختباراً للنموذج الإيراني نفسه.

الشرعية والسعودية.. استعادة المبادرة

في الجانب الآخر، تكمن أهمية التطورات في أن الشرعية اليمنية لم تبقَ، وفق الرواية المطروحة، في موقع الدفاع.

إعادة التنظيم، ثم العودة إلى الهجوم بدعم التحالف، تعني استعادة أهم عنصر في الحروب الطويلة: المبادرة.

أما السعودية، فإن نجاحها لا يُقاس بالقدرة العسكرية وحدها.

القوة الأهم كانت في الجمع بين السلاح والدبلوماسية والتحالفات، ومحاولة تحويل المعركة من مواجهة ثنائية إلى قضية مرتبطة بأمن الدولة اليمنية وأمن الحدود والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

وهنا يظهر الفارق الجوهري:

الحوثيون حاولوا تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي؛ السعودية حاولت تحويل النفوذ السياسي والتحالفات إلى قدرة عسكرية قابلة للاستمرار.

باب المندب ليس يمنياً فقط

من يقرأ باب المندب باعتباره مجرد موقع عسكري يقرأ نصف المشهد.

إنه أحد المفاتيح الجغرافية التي تربط اليمن بالبحر الأحمر وبالتجارة الدولية وبحسابات القوى الكبرى.

ولهذا فإن السيطرة عليه تحمل رسالة تتجاوز حدود اليمن، كما أن استعادته تحمل رسالة مقابلة: لن يكون الموقع الاستراتيجي منصة مجانية لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.

ومن هنا تصبح المعركة أكبر من جبهة.

إنها اختبار لقدرة مشروع كامل على البقاء.

الرهان الحقيقي يبدأ بعد الانتصار

لكن الاحتفال بأي تقدم عسكري قبل أوانه قد يكون خطأً استراتيجياً آخر.

فالشرعية والسعودية أمام اختبار أكثر صعوبة من استعادة موقع: تحويل المكاسب العسكرية إلى دولة وسياسة وتسوية قابلة للحياة.

أما الحوثيون، فسيواجهون السؤال المعاكس: هل يستطيعون الانتقال من قوة مسلحة تفرض الوقائع إلى مشروع سياسي قادر على الاحتفاظ بها؟

وهنا تحديداً ستظهر نتيجة المعركة الحقيقية.

لأن الحروب لا يحسمها من يحتل الأرض أولاً، بل من يستطيع الاحتفاظ بها سياسياً، وإعادة إنتاجها داخل مؤسسات الدولة.

الخلاصة: حين تتغير قواعد اللعبة

إذا صحت المعطيات الميدانية التي يعرضها المشهد، فإن أهمية باب المندب لا تكمن فقط في أنه موقع استعادته الشرعية وحلفاؤها، وإنما في أنه قد يكون كشفاً مبكراً لحدود الرهان الحوثي والإيراني.

فالذي انكسر ليس بالضرورة خطاً عسكرياً واحداً، بل فكرة أن السيطرة المسلحة على موقع استراتيجي يمكن أن تتحول تلقائياً إلى نفوذ إقليمي دائم.

وهنا تصبح الرسالة الأعمق:

اليمن ليس مجرد ساحة تستطيع القوى الإقليمية استخدامها كما تشاء.

والجغرافيا لا تتحول إلى نفوذ إلا عندما تسندها دولة، وشرعية، وتحالفات، وقدرة على الاستمرار.

ولهذا قد يكون باب المندب بداية فصل جديد في الحرب اليمنية.

فالسؤال لم يعد فقط:

من يسيطر على باب المندب؟

بل أصبح:

من يستطيع أن يحوّل السيطرة إلى مشروع دولة، ومن يكتشف أن القوة التي لا تستند إلى دولة قد تكون أقوى في لحظة، لكنها أضعف في نهاية الطريق؟