قضية تعيين محافظ النبطية: خلل إداري يطرح أسئلة حول الالتزام بالقانون
تمام زيعورلم يكن تعيين الدكتور محمد محسن هزيمة محافظاً للنبطية، ثم تعذّر تسلّمه مهامه بعد أيام، مجرد تفصيل إداري عابر، بل تحوّل إلى قضية تطرح أسئلة جدية حول آلية التعيين في وظائف الفئة الأولى، ومسؤولية الجهات التي تتولى تدقيق الملفات، ومدى التزام مجلس الوزراء بتطبيق النصوص القانونية النافذة.بدأت القضية في تموز الماضي، عندما أُعلن عن فتح باب الترشح لشغل وظيفة محافظ النبطية، فتقدّم أكثر من أربعين مرشحاً، بينهم الدكتور رشدي كرم زعيتر (مرشح أروقة القرار في عين التينة الذي خرج من المباراة بسبب تخطيه عتبة العمر بفارق 41 يوماً) والدكتوران محمد شكر ومحمد هزيمة، إلى جانب أسماء أخرى. وعندما سئل الرئيس نبيه بري عن مرشحه أجاب كلهم أبنائي، وموافق على من ينجح في الاختبارات.وبعد التدقيق في الطلبات، اقتصرت المنافسة على ثمانية مرشحين، وأُجريت مقابلات معهم عبر الإنترنت في 10 تشرين الأول 2026، لتُرفع إلى مجلس الوزراء أسماء المرشحين الذين تصدّروا التقييم، وهما شكر وهزيمة.وفي 15 تشرين الأول، قرر مجلس الوزراء الموافقة على تعيين هزيمة، قبل أن تظهر اعتراضات تتعلق باستيفائه الشروط القانونية، وفي مقدّمها شرط السن. وهنا انتقلت القضية من المنافسة بين المرشحين إلى مساءلة الآلية الإدارية التي أوصلت الملف إلى طاولة الحكومة.*القانون رقم 53: شرط لا يحتمل التأويل*صدر القانون رقم 53 بتاريخ 5 آب 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية في 10 آب من العام نفسه. ونصّت مادته الأولى على اشتراط إتمام المرشح للتعيين من خارج الملاك في إحدى وظائف الفئة الأولى في الملاك الإداري العام الخامسة والثلاثين من عمره، مع مراعاة الشرط المتعلق بالفارق بين سنه والسن القانونية لإنهاء الخدمة حكماً، والمحدد بعشرين سنة على الأقل عند صدور مرسوم التعيين.وبحسب المعلومات المنشورة، يبلغ هزيمة 33 عاماً، ما يعني أنه لا يستوفي شرط السن إذا كان تعيينه من خارج الملاك، وهو ما يستوجب التحقق من مستنداته الرسمية وصفته الوظيفية. فالنص القانوني لا يمنح الإدارة صلاحية تجاوز الحد الأدنى للعمر لمجرد اقتناعها بكفاءة المرشح أو حصوله على نتيجة متقدمة في المقابلات.كذلك، يثير تعيين المحافظ مسألة أخرى تتعلق بالمؤهلات المطلوبة للمنصب، في ضوء المادة الخامسة من المرسوم الاشتراعي رقم 116 تاريخ 12 حزيران 1959 المتعلق بالتنظيم الإداري. وقد أُثيرت إعلامياً تساؤلات بشأن مدى مطابقة مؤهلات هزيمة لهذه الأحكام، ما يستدعي مراجعة الملف كاملاً، وعدم اختزال الإشكالية في شرط السن وحده.من يتحمل مسؤولية الخطأ؟تحدد المادة 65 من الدستور صلاحيات مجلس الوزراء، ومنها تعيين موظفي الدولة وصرفهم وقبول استقالاتهم وفق القانون، كما توكل إليه السهر على تنفيذ القوانين والإشراف على الإدارات العامة. وبذلك، لا يُعفي صدور قرار عن مجلس الوزراء الجهات التي أعدّت الملف أو دقّقته من مسؤولياتها المهنية والإدارية.كذلك، تنص المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي رقم 114-1959 على صلاحيات مجلس الخدمة المدنية في شؤون الموظفين، ومنها التعيين، فيما تجعل الفقرة السادسة من المادة التاسعة موافقته أو قراره في المعاملات التي يشملها القانون إجراءً أساسياً.من هنا، تبرز مسؤولية الجهات التي تولّت استقبال الترشيحات وفحصها وإحالتها، وفي مقدّمها مجلس الخدمة المدنية ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، كلٌّ ضمن اختصاصه. فهل جرى التحقق من تاريخ ولادة المرشح قبل إدراج اسمه ضمن المنافسة؟ وهل كانت المستندات الرسمية متاحة أمام اللجنة والوزير المعني؟ وكيف وصلت المعاملة إلى مجلس الوزراء من دون معالجة الاعتراض المتصل بشرط السن؟إن تحديد المسؤولية لا يجوز أن يستند إلى التخمين أو التصفية السياسية، بل إلى مراجعة محاضر التدقيق والمراسلات والتوصيات، وتحديد المرحلة التي وقع فيها الخلل والجهة التي كان يتوجب عليها اكتشافه.الشباب ليسوا وقوداً للأخطاء الإداريةإن إتاحة الفرصة أمام الكفاءات الشابة لتولي المسؤوليات العامة هدف مشروع، لكن حماية هذه الكفاءات تبدأ باحترام القانون، لا بتعريض أصحابها لتجربة تعيين متعثرة تنتهي بحملات تشكيك وتشويه. وإذا ثبت أن شروط التعيين لم تكن مستوفاة، فإن المسؤولية لا تقع على المرشح وحده، بل تشمل كل من قصّر في التدقيق ضمن حدود صلاحياته.واليوم، مع الاتجاه إلى اختيار محافظ جديد للنبطية، لا يكفي إقفال الملف بتبديل اسم بآخر. المطلوب مراجعة إدارية واضحة، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق من تثبت مخالفته، بما فيها المساءلة التأديبية عند توافر شروطها القانونية.فهيبة الدولة لا تُصان بالتراجع عن الخطأ بصمت، بل بالاعتراف به، ومحاسبة المسؤول عنه وفق الأصول، وضمان ألا تتكرر الواقعة. أما تعيين موظف في الفئة الأولى، فيجب أن يكون ثمرة مسار قانوني سليم، لا قراراً تكتشف الإدارة بعد صدوره أنها أغفلت أحد شروطه الأساسية.
أثار تعيين الدكتور محمد محسن هزيمة محافظاً للنبطية، وتعثر تسلمه للمنصب بعد أيام، جدلاً واسعاً تجاوز إطار المنافسة بين المرشحين ليطال آليات التعيين في الوظائف العليا ومدى التزام الجهات المسؤولة بتطبيق النصوص القانونية.
بدأت القصة في تموز الماضي بفتح باب الترشح لشغل منصب المحافظية، فتقدم أكثر من أربعين مرشحاً من بينهم الدكتوران محمد شكر ومحمد هزيمة والدكتور رشدي كرم زعيتر، الذي استبعد لتجاوزه الحد الأقصى للعمر بفارق 41 يوماً. وعندما سئل الرئيس نبيه بري عن موقفه أجاب بأنه موافق على من ينجح في الاختبارات. بعد التدقيق الأولي، تقلص عدد المتنافسين إلى ثمانية، وأجريت معهم مقابلات عبر الإنترنت في 10 تشرين الأول 2026، لتتصدر أسماء شكر وهزيمة التقييم. وأقرّ مجلس الوزراء تعيين هزيمة في 15 تشرين الأول، غير أن اعتراضات سرعان ما ظهرت بشأن استيفاؤه الشروط القانونية، وخاصة شرط السن.
يحدد القانون رقم 53، الصادر في آب 2026، أن لا يقل عمر المرشح عن خمسة وثلاثين سنة عند التعيين في وظائف الفئة الأولى من خارج الملاك، مع الحفاظ على فارق لا يقل عن عشرين سنة بين سنه والسن القانونية لإنهاء الخدمة. غير أن هزيمة يبلغ من العمر 33 سنة، ما يعني عدم استيفاؤه لهذا الشرط الأساسي. النص القانوني لا يمنح الإدارة سلطة تجاوز هذه الحدود بناء على الكفاءة أو نتائج المقابلات.
تثير القضية أيضاً تساؤلات حول المؤهلات المطلوبة للمنصب وفقاً للمرسوم الاشتراعي رقم 116 لسنة 1959، ما يستدعي مراجعة شاملة للملف وليس الاقتصار على شرط السن وحده.
تحدد المادة 65 من الدستور مسؤولية مجلس الوزراء عن تعيين الموظفين وفقاً للقانون والإشراف على تنفيذ القوانين. غير أن هذا لا يعفي الجهات التي أعدت وفحصت الملف من مسؤولياتها الإدارية والمهنية، وخاصة مجلس الخدمة المدنية ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية. تبقى الأسئلة معلقة: هل تم التحقق من تاريخ الميلاد قبل قبول الترشح؟ وكيف وصلت المعاملة إلى مجلس الوزراء دون معالجة الاعتراض المتعلق بالسن؟
إن تحديد المسؤولية يجب أن يستند إلى مراجعة موضوعية لمحاضر التدقيق والمراسلات، وتحديد المرحلة التي وقع فيها الخلل والجهة المسؤولة عن اكتشافه وعدم السماح به.
فيما يعتبر استقطاب الكفاءات الشابة للمسؤوليات هدفاً مشروعاً، فإن حمايتها تبدأ باحترام القانون، وليس بتعريضها لمسار متعثر ينتهي بحملات تشكيك. المطلوب الآن ليس مجرد اختيار محافظ جديد، بل مراجعة إدارية واضحة وتحديد مسؤوليات من أخلّ بواجباته، مع اتخاذ الإجراءات التأديبية حيث لزم الأمر. فهيبة الدولة لا تُحفظ بالصمت على الخطأ، بل بالاعتراف به ومحاسبة المسؤول عنه وفقاً للقانون، وضمان عدم تكرار مثل هذا الخلل.