معرض "عتبات" يستكشف الفن في المسافة بين الرحيل والبقاء

بين نافذة تطلّ على أرض يصعب بلوغها، وأقواس تتقاطع حول أجساد متحرّكة، وصور تتجاور خارج أمكنتها الأصلية، تتّخذ العتبة أشكالاً متعدّدة في معرض عتبات (THRESHOLDS). يصبح العبور مسألة تشكيلية وفلسفية معاً: كيف تسكن العين المسافة بين الداخل والخارج؟ ومتى يكفّ الشكل عن الانتماء إلى صورته الأولى، من دون أن يستقرّ تماماً في أخرى؟افتُتح المعرض في 24 تشرين الأول-أكتوبر الجاري في فضاء Kulturnest، بشارع إميل إده قرب مستديرة الصالومي في سنّ الفيل، ويستمرّ حتى 2 كانون الأول-ديسمبر المقبل. ويجمع، بتنسيق الدكتورة باميلا شرابية، خمسة عشر فناناً تتنوّع ممارساتهم بين التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت والكولاج والوسائط المختلطة. وبعد الملاذ، موضوع المعرض الجماعي السابق، يتقدّم السؤال عمّا يحدث حين تتبدّل علاقتنا بما نحتمي به.تمنح هذه النقلة العتبة كثافتها: بيت نغادره ويقيم فينا، وذاكرة تتغيّر كلّما استعدناها، وهوية تتشكّل ممّا نحتفظ به وممّا نفقده. وفي لبنان، حيث تتداخل الإقامة بالرحيل والعودة بالانتظار، يلامس المفهوم خبرة يومية. غير أنّ قيمته الفنية تتحدّد بقدرته على الانتقال من الفكرة إلى التكوين، و من معنى تقوله الكلمات إلى توتّر تصنعه المساحة والخطوط والألوان.العمارة بوصفها سؤالاًفي بين عالمين لرانيا عصام حمادة، تتجاور واجهات أوروبية وسلالم وتماثيل وأجساد معاصرة داخل فضاء تتنازعه وجهات متعدّدة. تحتفظ القصاصات بحدودها البيضاء، كأنّ لكلّ صورة ذاكرة تقاوم الذوبان في الصورة المجاورة. تتكوّن المدينة من انقطاعاتها، ويغدو الانتقال بين أجزائها تجربة في فقدان المرجع.تستدعي هذه المعالجة فوتومونتاج هانا هوخ، وخصوصاً القطع بسكّين المطبخ، حيث يعيد تجاور الصور ترتيب العلاقات بين عناصر العالم. وإذا حمل التشظّي عند هوخ حدّة سياسية ساخرة، فإنّه يفتح لدى حمادة مجالاً لتأمّل ذات تجمع أمكنة متباعدة في حيّز واحد. السلالم كثيرة، لكنّ كثرتها تؤجّل الوصول، كلّ ممرّ يفضي إلى احتمال.ويعيد جوزف العريض بناء هذا القلق بوسائل الرسم. تتقاطع الأقواس والخطوط المائلة حول أجساد موزّعة على مستويات مختلفة، فيما يصل الوردي والأزرق والأبيض بين المساحات. تبدو الشخصيات منشغلة بالصعود أو الانحناء أو حفظ التوازن، كأنّ العمارة تتكوّن تحت خطواتها. يمنح القوس وعداً بالاحتواء، ثمّ تفتحه الخطوط على جهات أخرى. هكذا تصبح العتبة بنية للمكان، ويصبح السكن محاولة مستمرّة للتوازن داخله.نافذة على تعذّر الوصولفي عمل ندى رافاييل الفوتوغرافي غرفة بإطلالة، يدخل الضوء إلى بيت فقد قدرته على الحماية. رجل تحجب العتمة ملامحه، وحديد ملتَوٍ يقطّع المشهد الخارجي، وركام يحتفظ ببقايا حياة منزلية. وراء الجدران يستمرّ الاخضرار، لكنّه يضاعف الإحساس بالحرمان.وبحسب النصّ المرافق للعمل المصوّر في إبل السقي، تقع الأرض الظاهرة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ويخشى السكان الاقتراب من النوافذ خشية استهدافهم. تصبح الإطلالة حقّاً مهدّداً. ويمكن، من هذه الزاوية، محاورة الشرط الإنساني لماغريت، حيث تربك لوحة موضوعة أمام النافذة حدود المنظر وتمثيله. تسأل نافذة ماغريت عن حقيقة ما نراه، وتضيف نافذة رافاييل سؤالاً عن قدرتنا على النظر بأمان. العتبة هنا مسافة مرئية، يظلّ اجتيازها متعذّراً.الجسد حين يعبر صورتهتنقل زهراء أحمد البابا هذا التردّد إلى الهوية في النملة والفيل. أمام البحر وصخرة الروشة، تقف شخصيتان بملابس بشرية ورأسَي حيوانين. تستعيد البدلة والنظارة السوداء والفستان الأبيض والحقيبة ألفة صورة ثنائية، فيما يفتح الرأسان المشهد على غرابة هادئة.يربط الشرح المرافق الفيل بالذاكرة والثقل العاطفي، والنملة بالمثابرة والتعاون. لكنّ العمل يتنفّس أيضاً خارج هذا التفسير؛ فاختلاف الحجم وثبات الوقفة وهدوء الأفق تجعل العلاقة بين الكائنين أكثر التباساً من معادلة رمزية. تبدو الهوية قابلة لارتداء هيئة أخرى مع الاحتفاظ بإيماءاتها الاجتماعية. وعلى هذه العتبة، يتجاور المألوف والعجيب من دون أن يلغي أحدهما الآخر.شقّ في الجدار، حركة في اللونفي رغم كلّ الصعاب لليان الحريري، يمتدّ نموّ أخضر عبر سطح يهيمن عليه البنفسجي وتقطعه آثار سوداء وزرقاء. يستمدّ النبات قوّته من ضآلته أمام الجدار، ومن ميله الذي يعترض الانحدار العمودي للّون. تظهر الحياة عند موضع التصدّع، ويحتفظ التعافي بخشونة ما يعبره. لذلك يحمل الشقّ توتّراً أعمق من وعد سهل بالأمل.وتفتح فاتن حمدان عتبة أخرى داخل تكوينها الزهري. تتكاثف ضربات الأحمر والوردي والأسود حول مركز يكاد يدور، فيما تمنح الأرضية الفيروزية الحركة متّسعاً. يثبّت الساق هيئة الزهرة، وتتفلّت حوافّها في اندفاع الطلاء. تتردّد العين بين التعرّف إلى النبات والانشغال بإيقاع اللون. ويقع التحوّل في هذه المسافة التي يحتفظ فيها الشكل باسمه، فيما يبدأ الرسم بتحريره من حدوده.العبور الذي لا يضمن الوصولتسمح قراءة هذه الأعمال المختارة بتتبّع اختلاف جوهري في معنى الانتقال. فعبور نافذة مهدّدة يختلف عن التنقّل داخل مدينة متخيّلة، والتحوّل الذي يمسّ الهوية يختلف عن اقتراب الزهرة من التجريد. وتنبع قيمة الجمع بينها من إبقاء هذه الفروق حيّة، ومن مقاومة اختزال التجارب في تفسير واحد للعبور.تتحدّد القيمة النقدية لمعرض عتبات في قدرة معالجاته على منح المفهوم الجامع ضرورة بصرية: ضوء يعيد توزيع العلاقة بين الداخل والخارج، وقصاصات تعيد تركيب المكان، وأشكال تتأرجح بين التشخيص والتجريد. وتغدو العتبة أكثر إقناعاً حين تتجسّد في بناء العمل وخياراته المادية، وتترك للتكوين أن ينتج دلالته، بدلاً من الاكتفاء بتوضيح الفكرة المعلنة للمعرض.يشارك في المعرض: إليز سلامة، فاتن حمدان، جوزف العريض، كاتيا عون الحاج، ليان الحريري، ليلي نعيم، ندى رافاييل، نادين طبري، ناتالي بنّوت، أولغا صفا، رانيا عصام حمادة، ريما غانم، رويدة ملّو، ميشال رعد، وزهراء أحمد البابا.

معرض "عتبات" يستكشف الفن في المسافة بين الرحيل والبقاء

يفتتح معرض فني جماعي حواره حول مفهوم "العتبة" بوصفها تجربة بصرية وفلسفية في آن، متخذاً من المسافة بين ما نغادره وما نصير إليه محوراً لاستكشاف الانتقال والتحوّل. يطرح المعرض سؤالاً جوهرياً: كيف تسكن العين المسافة بين الداخل والخارج؟ وأين يكفّ الشكل عن انتماؤه إلى صورته الأولى من دون أن يستقرّ تماماً في أخرى؟

افتُتح المعرض في 24 تشرين الأول الجاري في فضاء ثقافي بشارع إميل إده قرب مستديرة الصالومي في سنّ الفيل، ويستمرّ حتى 2 كانون الأول المقبل. يجمع المعرض، بتنسيق من الدكتورة باميلا شرابية، خمسة عشر فناناً تتنوّع ممارساتهم بين التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت والكولاج والوسائط المختلطة، ويأتي استمراراً لمعرض جماعي سابق حول موضوع "الملاذ".

تستمدّ العتبة كثافتها من أسئلة وجودية عميقة: بيت نغادره ويقيم فينا، وذاكرة تتغيّر كلّما استعدناها، وهوية تتشكّل ممّا نحتفظ به وممّا نفقده. في السياق المحلي، حيث تتداخل الإقامة بالرحيل والعودة بالانتظار، يلامس المفهوم خبرة يومية عميقة، غير أنّ قيمته الفنية تتحدّد بقدرته على الانتقال من الفكرة المجردة إلى التكوين البصري الملموس.

يعالج الفنانون المشاركون موضوع العبور بطرق متباينة. تستخدم إحدى الأعمال الفوتوغرافية تقنية الكولاج لإعادة تجاور واجهات أوروبية وسلالم وتماثيل وأجساد معاصرة داخل فضاء تتنازعه وجهات متعدّدة، بحيث تحتفظ كل قصاصة بحدودها البيضاء، كأنّ لكلّ صورة ذاكرة تقاوم الذوبان في الصورة المجاورة. تتكوّن المدينة من انقطاعاتها، ويغدو الانتقال بين أجزائها تجربة في فقدان المرجع.

في عمل رسمي آخر، تتقاطع الأقواس والخطوط المائلة حول أجساد موزّعة على مستويات مختلفة، تتخللها مساحات لونية من الوردي والأزرق والأبيض. تبدو الشخصيات منشغلة بالصعود أو الانحناء أو حفظ التوازن، كأنّ العمارة تتكوّن تحت خطواتها، فيما تصبح العتبة بنية للمكان والسكن محاولة مستمرّة للتوازن داخله.

توثّق أعمال فوتوغرافية أخرى نافذة على تعذّر الوصول، حيث يدخل الضوء إلى بيت فقد قدرته على الحماية. حديد ملتوٍ يقطّع المشهد الخارجي، وركام يحتفظ ببقايا حياة منزلية، فيما يستمرّ الاخضرار خارج الجدران محاولاً مضاعفة الإحساس بالحرمان. تصبح الإطلالة هنا حقّاً مهدّداً، والعتبة مسافة مرئية يظلّ اجتيازها متعذّراً.

تنقل أعمال أخرى التردّد إلى مستوى الهوية والتحوّل الذاتي، حيث تقف شخصيات بملابس بشرية وأرؤس حيوانية في تجاور يمزج بين المألوف والعجيب من دون أن يلغي أحدهما الآخر. كما تظهر الحياة عند موضع التصدّع في أعمال أخرى، حيث ينمو النبات من خلال سطح مهيمن عليه اللون البنفسجي، محتفظاً التعافي بخشونة ما يعبره.

تمنح قيمة المعرض الجوهرية من قدرة معالجاته على منح المفهوم الجامع ضرورة بصرية واقعية. ضوء يعيد توزيع العلاقة بين الداخل والخارج، وقصاصات تعيد تركيب المكان، وأشكال تتأرجح بين التشخيص والتجريد. وتغدو العتبة أكثر إقناعاً حين تتجسّد في بناء العمل وخياراته المادية، بدلاً من الاكتفاء بتوضيح الفكرة المعلنة.