زيارة الرئيس جوزف عون إلى طرابلس: من رمزية الحضور إلى استحقاق الإنماء
أ.د. عبدالرحيم إبراهيمبعد غياب رئاسي دام نحو أربعة عشر عاماً، وصل الرئيس إلى عاصمة الشمال فيما تفتح التحولات السورية نافذة اقتصادية نادرة. فهل تكون الزيارة بداية مسار إنمائي فعلي، أم محطة أخرى في أرشيف الوعود؟طالما شكّلت طرابلس وعكار والشمال اللبناني العمق الإنساني والاقتصادي والجغرافي الذي لم ينل حقه من الاهتمام. فعلى مدى عقود، تعرّضت المنطقة لسياسات تهميش وإقصاء وللوصم الذي حوّل درّة المتوسط، «مدينة العلم والعلماء»، إلى واحدة من أفقر مدن حوضه. ولم تقتصر المعاناة على الجانب الاقتصادي، بل طالت أرزاق أبنائها وأرواحهم، وصولاً إلى المآسي الكبرى التي جسّدتها «قوارب الموت»، حين ركب شبان البحر بحثاً عن الملاذ والكرامة.واليوم، مع سقوط النظام السابق في سوريا، وبعد أن احتضن الشمال أشقاءه ووقف دائماً إلى جانب الحرية، تلوح في الأفق بوادر مرحلة جديدة ومفصلية. فهل تشكّل سوريا الجديدة، بطيّها صفحة الماضي، رافعة حقيقية لانتشال الشمال من كبوته؟ وكيف تتحول هذه الفرص الجيوسياسية والاقتصادية غير المسبوقة إلى خطط إنمائية مستدامة؟ وما المشاريع الاستراتيجية الكفيلة بجعل طرابلس بوابة العبور الاقتصادية الأولى للبنان؟طرابلس... مدينة انتظرت إنصافهالعقود بدت طرابلس كمن ينتظر على رصيف محطة قطاراً لا يمرّ. المدينة التي لُقّبت بـ«مدينة العلم والعلماء»، وكان مرفأها نافذة المشرق على المتوسط، وجدت نفسها مع عكار والضنية والمنية على هامش أولويات الدولة: أنابيب نفط جفّت، وسكة حديد علاها الصدأ، ومطار لم تقلع منه طائرة مدنية منذ نحو أربعة عقود، ومعرض دولي صمّمه أوسكار نيماير بقي صرحاً بلا حياة. وتداخلت أزمات الدولة مع ثقل الجوار السوري وتبعات حربه، فصار الفقر قدراً يومياً لشرائح واسعة من أبناء المنطقة.زيارة تتجاوز الرمزيةمنذ أيام، وصل الرئيس جوزف عون إلى طرابلس، في أول زيارة رئاسية إلى المدينة منذ نحو أربعة عشر عاماً. تنقّل بين السراي وقصر العدل والمرفأ ومعرض رشيد كرامي الدولي، وانتهى عند موقع المركز الصناعي اللوجستي التابع للمنطقة الاقتصادية الخاصة. وكانت رسالته واحدة: الدولة تقرّ بسنوات الإهمال، وتَعِد بمشاريع هدفها خلق فرص عمل لأبناء المنطقة، ولا إنماء بلا أمن.أهمية الزيارة ليست في بروتوكولها، بل في معناها: اعتراف رسمي بأن الشمال جزء أصيل من الاقتصاد الوطني، وإعلان نية لطيّ مرحلة الإقصاء والوصم. هي بمثابة حجر أساس سياسي لسلسلة مشاريع بدأت خطواتها فعلاً، وما ينقصها هو أن تتحول الكلمات إلى مراسيم وتمويل وجداول زمنية.ولماذا الآن؟ لأن الجغرافيا السياسية تغيّرت. فبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، صارت الحدود الشمالية منفذاً محتملاً لإعادة إعمار واسعة، وسجّلت الموانئ السورية في الربع الثاني من 2026 نحو 376 رسوّاً لسفينة، بزيادة تناهز الـ 101% عن العام السابق، بحسب بيانات نقلتها تقارير متخصصة. سوق تنهض، والمنافسة على خدمتها بدأت.مشاريع على الطريق• مطار القليعات: أُطلق تأهيله في حزيران 2026، وهبطت فيه أول طائرة مدنية منذ أربعة عقود. وهو بوابة جوية لعكار، ومنفذ لشحنات الإعمار والمنتجات الزراعية سريعة التلف. لكن التشغيل التجاري ينتظر استكمال المتطلبات الفنية والأمنية.• السكة: مناقصة لتحديث خط طرابلس–العبودية (نحو 40 كيلومتراً) في أيار، واتفاق لبناني–سوري في آب على فريق فني مشترك. أما الربط حتى حمص فمرحلة لاحقة، وخط جدة–إسطنبول لا يزال دراسة.• المرفأ والمنطقة الاقتصادية والمعرض: خطط معلنة لرفع طاقة الحاويات من نحو 250 ألف وحدة سنوياً إلى 800 ألف. وهي أهداف لا إنجازات.• النفط: المسار الأنشط اليوم هو كركوك–بانياس لا طرابلس، والفرع اللبناني رهن اتفاقات وتمويل وجدوى.• الترسيم البحري والتنقيب: رسّم لبنان حدوده البحرية مع إسرائيل (2022) وقبرص (2025)، وتبقى سوريا الدولة الوحيدة التي لم يُرسَّم معها. والبلوكان الشماليان 1 و2 يتداخلان مع البلوك السوري 1 على مساحة تُقدَّر بنحو 750 إلى ألف كيلومتر مربع. وحسم هذا الملف باتفاق بين الدولتين شرط لإطلاق أعمال المسح والبحث والتنقيب فيهما.• الكهرباء والطاقة: يُطرح خياران لتأمين الطاقة: تبادل الكهرباء مع تركيا عبر الأراضي السورية، أو خط بحري يربط تركيا بالساحل السوري وصولاً إلى طرابلس. وإلى جانبهما مشروع الربط الأردني–السوري–اللبناني الذي عادت اجتماعاته الوزارية هذا العام؛ وكلها تتطلب دراسات وتمويلاً وكلفة مرتفعة، لكنها تفتح الباب أمام حل مزمن لأزمة الكهرباء وتحرير طاقات الصناعة والزراعة.• المياه: فيضانات النهر الكبير الجنوبي تستدعي إحياء اتفاق السد المشترك، ومنه النورة التحتا، بعد دراسات فنية وبيئية.والفكرة الجامعة منظومة لا مرافق متفرقة: بضائع تصل عبر المرفأ، وتُصنَّع في المنطقة الاقتصادية، وتُوزَّع بالسكة والمطار، ويسوّقها المعرض، وإلا بقيت المدينة ممراً لا يستفيد منه أهلها، فيما تتقدم موانئ منافسة مثل طرطوس واللاذقية.إذا جارك بخير فأنت بخيرتختصر الحكمة الشعبية القديمة «إذا جارك بخير فأنت بخير» ما تقوله الجغرافيا والاقتصاد معاً. فالجوار ليس عنواناً سياسياً فحسب، بل معادلة مصالح: سوريا المستقرة والمعمَّرة سوق لصادرات لبنان وخبراته ومرافئه، ولبنان المستقر والمنتج منفذ سوريا إلى البحر والعالم.ولعقود دفع الشمال أثمان اضطراب جاره، من النزوح والحرب إلى إغلاق المعابر وتراجع التجارة؛ ولذلك هو أولى الناس بجني ثمار استقراره. لم تعد الحدود الشمالية خط مواجهة أو منطقة عازلة، بل ممراً محتملاً لحركة التجارة والطاقة والنقل. وأبناء طرابلس وعكار ليسوا متفرجين على هذا التحول، بل شركاء طبيعيون فيه بحكم التاريخ والجغرافيا، وبحكم ما قدّموه من احتضان للنازحين في أقسى الظروف.الجوار: ندّية لا تبعيةيرافق كل حديث عن الانفتاح على سوريا سؤال: هل ينتج علاقة متكافئة أم يعيد إنتاج تبعية قديمة؟ ثمة من يخشى أن يتحول التعاون الاقتصادي إلى ارتهان سياسي، وثمة من يرى أن القطيعة كلّفت لبنان، والشمال خصوصاً، أكثر مما كلّفته العلاقة. والجواب الع
بعد غياب دام أربعة عشر عاماً، وصلت زيارة رئاسية إلى طرابلس في وقت تفتح التطورات الإقليمية آفاقاً اقتصادية جديدة. لكن السؤال الأساسي يبقى: هل ستتحول هذه الزيارة إلى بداية مسار تنموي فعلي، أم أنها ستبقى محطة أخرى في سلسلة وعود لم تُترجم إلى واقع؟
ظلت طرابلس وعكار والشمال اللبناني يعانيان من سياسات التهميش والإقصاء على مدى عقود. فقدت المدينة التي كانت تُعرف بـ«مدينة العلم والعلماء» مكانتها الاقتصادية، حتى باتت من أفقر مدن حوض المتوسط. تجاوزت معاناة السكان الجانب الاقتصادي لتصل إلى مآسٍ إنسانية كبرى، حين اضطر الشباب للهجرة بحثاً عن الكرامة والأمان.
غير أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وخاصة التغيرات في الدول المجاورة، فتحت نافذة فرص غير مسبوقة. المسألة الآن تتعلق بكيفية تحويل هذه الفرص إلى خطط إنمائية مستدامة وحقيقية تستفيد منها المنطقة بشكل فعلي.
عاشت طرابلس عقوداً من الإهمال: أنابيب نفط جفّت، سكة حديد علاها الصدأ، مطار لم تقلع منه طائرة مدنية منذ أربعة عقود، ومعرض دولي تاريخي بقي بلا حياة. تراكمت عليها أزمات الدولة مع تبعات الأوضاع في الدول المجاورة، فصار الفقر واقعاً يومياً لشرائح واسعة من السكان.
تكتسب الزيارة أهميتها من رسالتها الحقيقية لا من بروتوكولها: اعتراف رسمي بأن الشمال جزء أساسي من الاقتصاد الوطني، وإعلان نية طيّ مرحلة الإقصاء. إنها بمثابة حجر أساس سياسي لسلسلة مشاريع، لكن ما ينقصها هو تحويل الكلمات إلى مراسيم وتمويل وجداول زمنية واضحة.
التغيير الجيوسياسي الذي حدث مؤخراً جعل الحدود الشمالية منفذاً محتملاً لحركة تجارية واسعة. تشير البيانات المتخصصة إلى أن الموانئ في المنطقة شهدت زيادة كبيرة في حركة السفن، مما يعكس نشاطاً اقتصادياً متزايداً في المحيط الإقليمي.
عدة مشاريع استراتيجية على الطريق: تأهيل المطار الشمالي الذي استقبل أول طائرة مدنية بعد انقطاع طويل، مناقصات لتحديث خط السكة الحديد، وخطط لرفع طاقة المرفأ بشكل كبير. كما تُطرح خيارات متعددة لتأمين الطاقة من خلال تعاون إقليمي. لكن كل هذه الخطط تبقى مجرد أهداف إعلانية ما لم تتحول إلى إنجازات فعلية.
الفكرة الأساسية يجب أن تكون منظومة متكاملة: بضائع تصل عبر المرفأ، تُصنَّع في المناطق الاقتصادية، وتُوزَّع بواسطة السكة والمطار، بدلاً من أن تبقى المدينة مجرد ممراً لا يستفيد منه أهلها.
يثير الانفتاح على الدول المجاورة تساؤلات حول طبيعة العلاقات المستقبلية. السؤال المهم: هل ستقوم على أساس الندية والمصالح المتبادلة، أم أنها ستؤدي إلى ارتهان اقتصادي سياسي؟ الجواب العملي أن الندية تُبنى على أساس اتفاقات مكتوبة بين دول تحمي السيادة والمصالح المتبادلة، وليس على علاقات شخصية أو شبكات نفوذ.
عكار بحدودها وسهولها أيضاً بحاجة إلى رسالة واضحة بأنها شريكة في التنمية، لا متلقية للمساعدات. المناطق الريفية تملك فرصاً حقيقية في تطوير السلاسل الزراعية والصناعات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى إمكانيات سياحية متنوعة.
التنمية الحقيقية لا تقتصر على المشاريع الكبرى. يمكن تطوير سلاسل إنتاج زراعي متكاملة تشمل التبريد والتوضيب والتصنيع الغذائي. كما يمكن للجامعات والمعاهد المهنية أن تعد كفاءات محلية في مجالات اللوجستيات وإدارة الموانئ والطاقة. الاقتصاد الرقمي والإنترنت السريع يمكن أن يتيحا للشباب فرص عمل في وطنهم دون الحاجة للهجرة.
لضمان عدم ضياع الفرصة، ثمة شروط أساسية: وضع خطة إقلي