الحروب تترك ندوباً بيئية عميقة: من الفوسفور الأبيض إلى تلوث البحار

من بساتين الزيتون المحترقة في جنوب لبنان إلى أنقاض غزة الملوّثة، ومن دخان المنشآت النفطية في إيران إلى التسربات التي تهدّد البحر، تتكشف كلفة بيئية هائلة لحروب الشرق الأوسط. فالدمار لا يتوقف عند سقوط القذائف، بل يمتد إلى التربة والمياه والغذاء والتنوع البيولوجي، مخلفاً أضراراً قد يستغرق إصلاح بعضها عقوداً.لا تقتصر الحروب على تدمير المدن والمنشآت وسقوط الضحايا. ثمة حرب أخرى، أقل ظهوراً، تخوضها البيئة يومياً. فكل انفجار قد يخلّف مواد كيميائية ومعادن وشظايا، وكل حريق يطلق ملوثات إلى الغلاف الجوي، وكل منشأة نفطية أو محطة صرف صحي مدمّرة تتحول إلى مصدر تلوث يتجاوز حدود ميدان القتال.وحذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة، في آذار-مارس 2026، من أن النزاعات المتصاعدة في الشرق الأوسط تهدّد الموارد المائية والنظم البحرية والبرية وسلامة الغذاء، مشيراً إلى أن الاستخدام الواسع للذخائر قد يطلق معادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة، يصعب تحديد تركيزاتها من دون فحوص ميدانية.الفوسفور الأبيض: أرض الجنوب المحروقةيقدم جنوب لبنان نموذجاً صارخاً. فقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش استخدام القوات الإسرائيلية ذخائر الفوسفور الأبيض في 17 بلدة لبنانية على الأقل منذ تشرين الأول-أكتوبر 2023، بينها خمس بلدات استُخدمت فيها فوق مناطق سكنية مأهولة.وقال الباحث في المنظمة رمزي قيس إن هذه الذخائر تلحق ضرراً عشوائياً بالمدنيين وتدفعهم إلى مغادرة منازلهم. وأشارت وزارة الصحة اللبنانية إلى تسجيل 173 إصابة مرتبطة بالتعرض للفوسفور الأبيض حتى 28 أيار-مايو 2024.بيئياً، يشتعل الفوسفور الأبيض لدى تعرضه للأكسجين، فيشعل النباتات والمحاصيل. وقد يؤدي تأكسده إلى زيادة حموضة التربة، بينما يمكن لبقاياه غير المتأكسدة أن تشكّل خطراً مستمراً في ظروف محددة.ووثّق مرصد النزاعات والبيئة CEOBS وقوع 195 حادثة استخدام للفوسفور الأبيض حتى كانون الأول-ديسمبر 2024، مؤكداً أن الحرائق الناجمة عن الذخائر الحارقة والمتفجرة تضرّ بخصوبة التربة والتنوع البيولوجي، مع ضرورة عدم نسبة جميع الحرائق إلى الفوسفور وحده.وتكشف دراسة مشتركة للإسكوا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن احتراق نحو 1,403 هكتارات من الغابات الكثيفة والخفيفة، و134 هكتاراً من بساتين الزيتون خلال حرب 2023–2024. وتجاوزت الخسائر الناتجة من تدهور الموارد الطبيعية وإدارة النفايات 221 مليون دولار، وفق تقديرات البنك الدولي التي أوردها المرصد.غزة... ملايين الأطنان من الركام السامفي غزة، يتخذ الدمار البيئي أبعاداً استثنائية. فقد قدّر تقييم مشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، صدر في نيسان-أبريل 2026، حجم الأنقاض بأكثر من 68 مليون طن، تحتاج إزالتها وإدارتها إلى ما يتجاوز 1.7 مليار دولار.لكن المشكلة ليست في الكمية وحدها، بل في احتمال اختلاط الركام بالأسبستوس والمعادن الثقيلة والذخائر غير المنفجرة والنفايات الطبية والصرف الصحي.وكشف برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن غزة فقدت، حتى أيار-مايو 2025، نحو 97% من محاصيلها الشجرية و82% من محاصيلها السنوية. وأدى تدمير شبكات الصرف الصحي إلى زيادة مخاطر تلوث الخزان الجوفي والمياه الساحلية.وقالت المديرة التنفيذية للبرنامج، إنغر أندرسن، إن استعادة أنظمة المياه العذبة وإزالة الأنقاض ضرورة عاجلة لإنقاذ الأرواح، مشددة على أهمية ترميم التربة والغطاء النباتي لضمان الأمنين الغذائي والمائي.من الذخائر إلى المياه الجوفيةتخلّف القنابل والصواريخ والمقذوفات المتفجرة شظايا ومخلّفات احتراق، وقد تطلق مركّبات كيميائية ومعادن تتسرب إلى التربة. وتزداد الخطورة عندما تتراكم المخلفات قرب الآبار والأراضي الزراعية أو تجرفها الأمطار إلى المجاري المائية.كما تؤدي الحفر الناتجة من الانفجارات وحركة الآليات العسكرية إلى تعرية التربة وضغطها وتراجع قدرتها على امتصاص الأمطار، بما يفاقم الفيضانات ويضعف تجدد المياه الجوفية.ولا يكفي العثور على مخلفات عسكرية لإثبات تلوث محصول غذائي؛ إذ يتطلب ذلك تحاليل مخبرية تحدّد المواد وتركيزاتها ومسارات انتقالها.حرائق النفط: من الكويت إلى إيرانفي حرب الخليج عام 1991، أضرمت القوات العراقية المنسحبة النار في أكثر من 700 بئر نفطية كويتية. وقدّرت أبحاث أميركية انبعاث أكثر من 3 آلاف طن من السخام يومياً، فيما تسرب ما بين 6 و8 ملايين برميل إلى مياه الخليج.كانت النتيجة تلوث الهواء والتربة والمياه، وتكوّن بحيرات نفطية في الصحراء، تَطلّب علاج آثارها سنوات طويلةوتجدّد المشهد في آذار-مارس 2026، حين استهدفت ضربات أميركية وإسرائيلية منشآت نفطية قرب طهران، مطلقة دخاناً احتوى على ملوثات خطرة، بينها أكاسيد الكبريت والنيتروجين ومركّبات عضوية سامة. وحذّرت الأمم المتحدة من انتقال التلوث إلى المحاصيل والمياه الجوفية.التسربات النفطية... خطر يتجاوز السواحللبنان اختبر الكارثة عام 2006، عندما قصف الطيران الإسرائيلي خزانات محطة الجية الكهربائية، فتسرب ما بين 12 و15 ألف طن من الفيول الثقيل، ملوّثاً أكثر من 70 موقعاً على امتداد 150 كيلومتراً من الساحل اللبناني، وفق وزارة البيئةوفي اليمن، كادت الحرب تتسبب بكارثة مماثلة عبر الناقلة المتهالكة صافر. لكن عملية أممية نجحت عام 2023 في نقل أكثر من 1.1 مليون برميل من النفط، متجنبة تسرباً كان سيهدد الشعاب المرجانية والثروة السمكية والمجتمعات الساحلية في البحر الأحمر.تبدأ المعالجة بمسح بيئي مستقل، وإزالة الذخائر غير المنفجرة، وفحص التربة والمياه والمنتجات الزراعية، وإدارة الأنقاض بوصفها مخلفات قد تكون خطرة، لا مجرد مواد بناء قابلة لإعادة التدوير.لكن ذلك يفترض وقف القتال وإتاحة الوصول إلى المناطق المتضررة وتمويل عمليات الرصد والترميم.فالحروب قد تنتهي باتفاق سياسي، أما آثارها البيئية فقد تبقى لعقود، تدفع ثمنها أجيال لم تشارك فيها.

الحروب تترك ندوباً بيئية عميقة: من الفوسفور الأبيض إلى تلوث البحار

تكشف النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط عن كلفة بيئية هائلة تتجاوز حدود الدمار المباشر والخسائر البشرية. فالحروب لا تقتصر على إسقاط القذائف وتدمير المدن، بل تمتد آثارها السلبية إلى التربة والمياه والغذاء والتنوع البيولوجي، مخلفة أضراراً قد يستغرق إصلاح بعضها عقوداً كاملة.

كل انفجار يطلق مواد كيميائية ومعادن وشظايا، وكل حريق يرفع ملوثات إلى الغلاف الجوي، وكل منشأة مدمرة تتحول إلى مصدر تسريب يتجاوز ساحات المعركة. حذّرت برامج الأمم المتحدة المتخصصة من أن هذه النزاعات تهدد الموارد المائية والنظم البحرية والبرية وسلامة الغذاء، مشيرة إلى أن الاستخدام الواسع للذخائر قد يطلق معادن ثقيلة ومواد سامة يصعب تحديد مستوياتها من دون فحوص ميدانية دقيقة.

يقدم جنوب لبنان نموذجاً صارخاً للأضرار البيئية. وثّقت منظمات دولية استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض في عشرات البلدات، منها مناطق مأهولة بالسكان. وفي المناطق المتضررة، يشتعل هذا الفوسفور لدى تعرضه للأكسجين فيشعل النباتات والمحاصيل، ويزيد من حموضة التربة عند تأكسده، بينما قد تشكل بقاياه غير المتأكسدة خطراً مستمراً في ظروف معينة. احترقت حوالي 1,403 هكتارات من الغابات و134 هكتاراً من بساتين الزيتون، وتجاوزت خسائر تدهور الموارد الطبيعية 221 مليون دولار.

في غزة، اتخذ الدمار البيئي أبعاداً استثنائية. قُدّر حجم الأنقاض بأكثر من 68 مليون طن، تحتاج إزالتها وإدارتها إلى أموال ضخمة. لكن المشكلة تتجاوز الكمية، فالركام قد يختلط بمواد خطرة كالأسبستوس والمعادن الثقيلة والذخائر غير المنفجرة والنفايات الطبية. خسرت غزة معظم محاصيلها الشجرية والسنوية، كما أدى تدمير شبكات الصرف الصحي إلى مخاطر جسيمة لتلوث المياه الجوفية والساحلية.

تطلق الذخائر والمقذوفات المتفجرة شظايا ومخلفات احتراق قد تحتوي على مركبات كيميائية ومعادن تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية. كما تؤدي الحفر الناتجة من الانفجارات وحركة الآليات العسكرية إلى تعرية التربة وضعف قدرتها على امتصاص الأمطار، مما يفاقم الفيضانات ويضعف تجدد المياه الجوفية.

تاريخياً، شهد الخليج كارثة بيئية عام 1991 حين أضرمت القوات المنسحبة النار في أكثر من 700 بئر نفطية، محدثة تلوثاً هائلاً في الهواء والتربة والمياه. وفي السياق المعاصر، استهدفت ضربات منشآت نفطية قرب طهران عام 2026، محررة دخاناً احتوى على ملوثات خطرة بينها أكاسيد الكبريت والنيتروجين. كما شهد لبنان عام 2006 تسرب آلاف الأطنان من الفيول الثقيل بعد استهداف محطة كهربائية، ملوثاً عشرات المواقع على امتداد مئات الكيلومترات من الساحل.

تتطلب معالجة الأضرار البيئية مسحاً مستقلاً وإزالة الذخائر غير المنفجرة وفحص التربة والمياه والمنتجات الزراعية وإدارة الأنقاض بطريقة آمنة. لكن كل ذلك يفترض وقف القتال وتوفير الوصول الآمن وتمويل العمليات. الحروب قد تنتهي باتفاق سياسي، لكن آثارها البيئية تبقى لأجيال لم تشارك فيها.