موازنة 2027 في لبنان: بين ضرورة الإصلاح والعدالة الاجتماعية
مهى مرادلا تُقاس الموازنة العامة بحجم الإيرادات التي تنجح الدولة في تحصيلها، ولا بقدرتها على ضبط النفقات في الجداول المالية فحسب، بل بمدى انعكاس خياراتها على حياة المواطنين وحقوقهم ومستقبلهم. فالموازنة، في جوهرها، ليست أرقاماً وحسابات، بل تعبير عن أولويات الدولة، وعن رؤيتها للاقتصاد والمجتمع، وعن مدى التزامها بتحقيق العدالة بين المواطنين في توزيع الأعباء والموارد.وفي لبنان، تكتسب موازنة عام 2027 أهمية استثنائية في ظل الأزمات المتراكمة التي أنهكت الاقتصاد، وأضعفت القدرة الشرائية، ووضعت شرائح واسعة من اللبنانيين أمام تحديات يومية لتأمين أبسط مقومات العيش. فالعائلات التي تستنزف مداخيلها لتغطية تكاليف الغذاء والسكن والصحة والتعليم، والموظفون والمتقاعدون الذين تراجعت قدرتهم على مواجهة متطلبات الحياة، باتوا غير قادرين على تحمّل أعباء إضافية، من دون أن يقابلها تحسّن ملموس في الخدمات العامة ومستوى المعيشة.من هنا، لا يكفي أن تتحدث الدولة عن ضرورة تأمين الإيرادات وتحقيق الانضباط المالي، بل عليها أن تجيب عن سؤال جوهري: من يتحمّل كلفة الإصلاح، وكيف تُوزّع الأعباء، وعلى أي أساس تُحدّد الأولويات؟ وبالتالي، إن اللجوء إلى الضرائب والرسوم بوصفه الطريق الأسهل لزيادة إيرادات الخزينة، لا يمكن أن يشكّل سياسة مالية مستدامة، ولا سيما إذا كان أصحاب الدخل المحدود والفئات الأكثر هشاشة يتحمّلون كلفته بصورة مباشرة… فالعدالة المالية لا تتحقق بمجرد مطالبة الجميع بتسديد ما يُفرض عليهم، بل تقتضي مراعاة تفاوت الإمكانات، وملاحقة التهرّب الضريبي، وتوسيع قاعدة المكلّفين بصورة عادلة، وضمان مساهمة الجهات القادرة في تحمّل مسؤولياتها.ولا يجوز، في هذا السياق، فصل أي إجراءات مالية جديدة عن واقع الخدمات التي يحصل عليها المواطن. فمن يدفع للدولة له الحق في أن يسأل عن الكهرباء والمياه والنقل العام والرعاية الصحية والتعليم، وعن مصير الأموال العامة وآليات إنفاقها. وليس مقبولاً أن تبقى هذه الحقوق مؤجلة، فيما تتجدد المطالب المالية من دون رؤية واضحة تشرح للمواطن ما الذي سيتغير في حياته نتيجة ما يدفعه.إن مسؤولية الدولة تبدأ من مراجعة أدائها قبل مطالبة الناس بمزيد من التضحيات. فالإصلاح الحقيقي يقتضي مكافحة الهدر والفساد، وتعزيز الرقابة والمحاسبة، وتطوير الإدارة العامة، وتحسين تحصيل الإيرادات المستحقة، وإقفال منافذ التهرّب، وإخضاع الإنفاق لمعايير الشفافية والفاعلية. كما يتطلب تحديد مكامن الخلل ومحاسبة المسؤولين عنها، بدلاً من أن تبقى المعالجات محصورة في إجراءات مالية يتحمل المواطن نتائجها المباشرة.ولا يعني ذلك التقليل من حاجة الدولة إلى موارد مالية كافية، أو تجاهل ضرورة ضبط العجز. فاستقرار المالية العامة شرط أساسي لاستعادة الثقة بالاقتصاد. لكن هذا الاستقرار لا يمكن أن يقوم على حساب العدالة الاجتماعية، ولا أن يتحول إلى غاية منفصلة عن حقوق الناس. المطلوب إصلاح يوازن بين متطلبات الخزينة وقدرة المجتمع على الاحتمال، ويحوّل الإنفاق العام إلى استثمار في الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل، لا مجرد أداة لتغطية اختلالات متراكمة.إن موازنة 2027 أمام اختبار يتجاوز الحسابات المالية، لأنه يتعلق بمستقبل العلاقة بين الدولة والمواطن. فالثقة لا تُستعاد بالوعود، بل بالشفافية والنتائج والمحاسبة، وبإثبات أن المال العام يُدار لخدمة المجتمع، لا أن يُستنزف المجتمع باستمرار لتغطية إخفاقات الإدارة.لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية، ومن حقهم أن يعرفوا ما إذا كانت الموازنة الجديدة ستفتح باباً فعلياً للإصلاح، أم ستعيد إنتاج السياسات نفسها بأعباء مختلفة… ومن حقهم أيضاً أن يطالبوا بدولة تسبق فيها المحاسبةُ المطالبةَ بالتضحيات، ويقترن فيها كل تكليف مالي بحق واضح وخدمة ملموسة.فالإصلاح المالي لا يبدأ من جيوب المواطنين، بل من إرادة سياسية جادة في إصلاح الدولة، وموازنة 2027 لن تستعيد ثقة اللبنانيين ما لم تجعل العدالة والمساءلة وحماية القدرة المعيشية أولويات فعلية، وتؤكد أن المواطن شريك في بناء الدولة، لا الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها كلفة عجزها.
تكتسب الموازنة العامة لعام 2027 أهمية استثنائية في لبنان، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتراكمة التي أنهكت الاقتصاد الوطني وأضعفت القدرة الشرائية للمواطنين. فالعائلات اللبنانية تستنزف مداخيلها لتغطية مستلزمات الحياة الأساسية من غذاء وسكن وصحة وتعليم، بينما يعاني الموظفون والمتقاعدون من تراجع ملحوظ في قدرتهم على مواجهة متطلبات المعيشة اليومية.
تقاس الموازنة العامة بمدى انعكاس خيارات الدولة على حياة المواطنين وحقوقهم ومستقبلهم، فهي ليست مجرد أرقام وحسابات، بل تعبير مباشر عن أولويات الدولة ورؤيتها الاقتصادية والاجتماعية. من هنا، لا يكفي أن تتحدث الحكومة عن ضرورة تأمين الإيرادات وتحقيق الانضباط المالي، بل عليها الإجابة عن سؤال جوهري: من يتحمل كلفة الإصلاح، وكيف توزع الأعباء، وعلى أي أساس تحدد الأولويات.
اللجوء إلى الضرائب والرسوم كطريق لزيادة إيرادات الخزينة لا يشكل سياسة مالية مستدامة، خاصة إذا كانت الفئات الأكثر هشاشة وأصحاب الدخل المحدود يتحملون كلفته بشكل مباشر. تقتضي العدالة المالية الحقيقية مراعاة تفاوت الإمكانات والقدرات الاقتصادية، ومتابعة التهرب الضريبي بجدية، وتوسيع قاعدة المكلفين بصورة عادلة، وضمان مساهمة الجهات والفئات القادرة في تحمل مسؤولياتها.
لا يجوز فصل أي إجراءات مالية جديدة عن واقع الخدمات التي يحصل عليها المواطن. من يدفع للدولة له الحق في السؤال عن الكهرباء والمياه والنقل العام والرعاية الصحية والتعليم، وعن كيفية استخدام أموال الدولة. من غير المقبول أن تبقى هذه الحقوق الأساسية معلقة، فيما تتجدد المطالب المالية من دون رؤية واضحة توضح للمواطن ما الذي سيتغير فعلياً في حياته.
يبدأ الإصلاح الحقيقي من مراجعة الدولة لأدائها قبل مطالبة الناس بمزيد من التضحيات. فالإصلاح يقتضي محاربة الهدر والفساد، وتعزيز الرقابة والمحاسبة، وتطوير الإدارة العامة، وتحسين تحصيل الإيرادات المستحقة، وإقفال منافذ التهرب. كما يتطلب تحديد مكامن الخلل ومحاسبة المسؤولين عنها، بدلاً من أن تبقى المعالجات محصورة في إجراءات مالية يتحمل المواطن نتائجها.
استقرار المالية العامة شرط أساسي لاستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، إلا أن هذا الاستقرار لا يمكن أن يقوم على حساب العدالة الاجتماعية. المطلوب إصلاح متوازن يجمع بين متطلبات الخزينة وقدرة المجتمع على الاحتمال، ويحول الإنفاق العام إلى استثمار حقيقي في الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل.
تواجه موازنة 2027 اختباراً يتجاوز الحسابات المالية البحتة، لأنه يتعلق بمستقبل العلاقة بين الدولة والمواطن اللبناني. الثقة لا تُستعاد بالوعود وحدها، بل بالشفافية والنتائج والمحاسبة الفعلية، وبإثبات أن المال العام يُدار لخدمة المجتمع لا استنزافه. من حق اللبنانيين أن يعرفوا ما إذا كانت الموازنة الجديدة ستفتح باباً فعلياً للإصلاح الشامل أم ستعيد إنتاج السياسات ذاتها بأعباء مختلفة.
الإصلاح المالي الحقيقي لا يبدأ من جيوب المواطنين، بل من إرادة سياسية جادة في إصلاح الدولة نفسها. موازنة 2027 لن تستعيد ثقة اللبنانيين ما لم تجعل العدالة والمساءلة وحماية القدرة المعيشية أولويات فعلية، وتؤكد أن المواطن شريك في بناء الدولة وليس الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها كلفة الأزمات.