تناقض في تطبيق اتفاق وقف النار: بين المطالبة بالالتزام والرفض العملي

لا يعكس استحضار الأمين العام لـحزب الله الشيخنعيم قاسم المستمر لاتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، باعتباره مرجعية لمطالبة إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، كامل مضمون الاتفاق، بل يفتح الباب أمام مفارقة أساسية: كيف يمكن التمسك باتفاق يتضمن بوضوح حصرية السلاح بيد الدولة، فيما يرفض الحزب تسليم سلاحه والإبقاء على بنيته العسكرية خارج سلطة المؤسسات الرسمية؟فالنص التمهيدي للاتفاق لا يترك المسألة خارج إطار البحث، إذ يشير صراحة إلى أن التنفيذ الكامل للقرار 1701 يشمل تنفيذ القرارات السابقة ذات الصلة، بما فيها نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان، على أن تقتصر الجهات المخوّلة حمل السلاح على القوات العسكرية والأمنية الرسمية اللبنانية. وبذلك، لا يقدّم الاتفاق غطاءً لاستمرار أي قوة مسلحة مستقلة عن الدولة، بل يضع حصرية السلاح ضمن الأسس التي يُفترض أن يقوم عليها الحل الأمني.ويأتي القرار 1701 الذي يشكل المرجعية الأساسية للاتفاق، ليؤكد في الفقرة الثالثة ضرورة بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها، بحيث لا يكون هناك سلاح من دون موافقة الحكومة اللبنانية، ولا سلطة غير سلطة الحكومة اللبنانية. كما تدعو الفقرة الثامنة إلى تنفيذ الأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف والقرارين 1559 و1680، التي تتطلب نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان.أما المادة السابعة من اتفاق تشرين الثاني، فتنتقل من المبدأ إلى الإجراءات العملية. إذ تنص الفقرة (ب) على تفكيك منشآت إنتاج الأسلحة غير المرخّصة، بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، فيما تنص الفقرة (ج) على تفكيك البنى التحتية والمواقع العسكرية ومصادرة الأسلحة غير المصرّح بها، بدءاً من المنطقة نفسها. ولا يقتصر الأمر على المواقع الظاهرة، بل يشمل أيضاً المنشآت والبنى التحتية الواقعة تحت الأرض وفوقها، وفق ترتيبات التنفيذ الواردة في الاتفاق.وهنا تحديداً تتضح الفجوة بين الاستناد السياسي إلى الاتفاق والالتزام بمندرجاته. فعبارة بدءاً من جنوب الليطاني تحدد نقطة الانطلاق في الإجراءات التنفيذية، ولا تعني أن حصرية السلاح تصبح غير مطروحة في بقية المناطق اللبنانية، في ظل الإطار الأوسع الذي يرسمه القرار 1701. كما أن النص لا يكتفي بمنع استخدام السلاح في العمليات العسكرية، بل يتناول تفكيك البنية التحتية العسكرية غير المرخّصة، وضبط إدخال الأسلحة وإنتاجها، ومنع إعادة تسلّح الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة.وعليه، فإن مطالبة نعيم قاسم بتطبيق الاتفاق لا تنسجم مع رفض الحزب التخلي عن استقلاليته العسكرية، إذا كان المقصود بالالتزام تطبيق النصوص المتعلقة بالسلاح والبنى العسكرية أيضاً، لا الاكتفاء بالشق المتصل بالانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات. فالاتفاق لا يمنح أي طرف حق انتقاء الالتزامات التي تناسبه، فيما يتجاهل ما يرتّبه عليه الإطار نفسه من موجبات.في المحصّلة، لا تكمن المسألة في ما إذا كان الاتفاق يفرض التزامات على إسرائيل، فهذا ثابت في نصه، بل في ما إذا كان حزب الله يقبل تطبيق الالتزامات المتعلقة بحصرية السلاح وتفكيك البنية العسكرية خارج الدولة. فاستحضار اتفاق وقف النار لا يحسم النقاش لمصلحة الحزب؛ بل يعيد طرح السؤال الذي يتجنّب حسمه: هل يقبل أن تكون الدولة اللبنانية وحدها صاحبة القرار العسكري والأمني، أم يريد اتفاقاً يوقف الحرب من دون أن يمسّ بواقع سلاحه؟

تناقض في تطبيق اتفاق وقف النار: بين المطالبة بالالتزام والرفض العملي

يثير استشهاد قيادة حزب الله المتكرر باتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 كمرجعية لمطالبة إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، تساؤلات جوهرية حول انسجام هذا الموقف مع مضمون الاتفاق الفعلي وآلياته التنفيذية.

يتضمن النص التمهيدي للاتفاق نصوصاً صريحة تتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، إذ يشير الاتفاق إلى أن التنفيذ الكامل للقرار 1701 يشمل تنفيذ القرارات السابقة ذات الصلة، بما فيها نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان، مع اقتصار صلاحية حمل السلاح على القوات العسكرية والأمنية الرسمية اللبنانية وحدها. وبذلك لا يوفر الاتفاق أي غطاء قانوني لاستمرار وجود قوة مسلحة مستقلة عن الدولة.

يؤكد القرار 1701، الذي يشكل المرجعية الأساسية للاتفاق، في نصوصه على ضرورة بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، بحيث لا يكون هناك سلاح من دون موافقة حكومية، ولا سلطة غير سلطة الدولة. كما تدعو فقراته إلى تنفيذ الأحكام الواردة في اتفاق الطائف والقرارات السابقة، التي تتطلب كلها نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة.

تنتقل المادة السابعة من الاتفاق من المبادئ إلى الإجراءات العملية، حيث تنص على تفكيك منشآت إنتاج الأسلحة غير المرخصة ابتداءً من منطقة جنوب الليطاني، وتفكيك البنى التحتية والمواقع العسكرية ومصادرة الأسلحة غير المصرح بها. ولا يقتصر هذا على المواقع الظاهرة، بل يشمل أيضاً المنشآت الواقعة تحت الأرض وفوقها.

لكن هذا النص لا يعني حصر تطبيق حصرية السلاح في المنطقة المذكورة فحسب، بل يحدد نقطة انطلاق إجرائية ضمن إطار أوسع يرسمه القرار 1701 ينسحب على كامل الأراضي اللبنانية. الاتفاق لا يكتفي بمنع العمليات العسكرية، بل يتناول تفكيك البنية التحتية العسكرية غير المرخصة وضبط إدخال الأسلحة وإنتاجها ومنع إعادة تسلح الجماعات خارج سلطة الدولة.

يكمن التناقض الأساسي في أن مطالبة بتطبيق الاتفاق على الطرف الآخر لا تنسجم مع رفض واضح للالتزام بالبنود المتعلقة بنزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية المستقلة. فالاتفاق لا يمنح أي طرف حق انتقاء الالتزامات التي تناسبه والتجاهل لما يرتبه من موجبات.

يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل يقبل الطرف المعني بأن تكون الدولة اللبنانية وحدها صاحبة القرار العسكري والأمني، أم يسعى إلى اتفاق يوقف الحرب دون المساس بواقع السلاح والقوة العسكرية المستقلة؟ فاستحضار الاتفاق لا يحسم هذا النقاش، بل يعيد طرح السؤال الأساسي الذي يتجنب حسمه.