إيران في فخّ نفوذها: حين تتحوّل أوراق القوة إلى بداية السقوط

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

إيران في فخّ نفوذها: حين تتحوّل أوراق القوة إلى بداية السقوط

في السياسة، لا تُقاس قوة الدول بحجم نفوذها فحسب، بل بقدرتها على تحويل هذا النفوذ إلى مكاسب مستدامة. وحين تصبح أدوات القوة مصدراً للاستنزاف، يتحوّل النفوذ من رصيد استراتيجي إلى عبء يصعب التخلص منه.

تكمن إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه إيران في التناقض بين طموحها الإقليمي وكلفة الأدوات التي اعتمدت عليها لترسيخ نفوذها. فالتصعيد المستمر، وتوسيع دائرة الخصومات، والاعتماد على حلفاء مسلحين، قد تمنح طهران أوراق ضغط، لكنها لا تضمن لها تسوية مستقرة، ولا تعفيها من أثمان العزلة والاستنزاف.

والأخطر أن تتحول هذه الأدوات من وسائل لتحقيق المصالح إلى قيود تحدّ من حرية القرار. فعندما يصبح التراجع مكلفاً سياسياً، والاستمرار مكلفاً استراتيجياً، تجد القيادة نفسها أمام معادلة لا يحلّها الخطاب التعبوي ولا إعلان الانتصارات.

لكن اختزال المأزق الإيراني في المواجهة العسكرية وحدها خطأ في الحسابات؛ فالحروب لا تنتهي دائماً بانهيار أحد الأطراف، كما أن إضعاف القدرات لا يعني بالضرورة تغيير السلوك. ومن هنا، فإن أي تسوية جدية يجب ألا تكتفي بالوعود، بل تستند إلى التزامات واضحة وآليات تحقق تضمن الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها.

في هذا السياق، يحتل لبنان موقعاً بالغ الحساسية. فارتباط أزمته بالتوازنات الإقليمية يجعل أي تحول في النفوذ الإيراني عاملاً مؤثراً في مستقبله، لكنه لا يجعله العامل الوحيد. إذ إن استعادة الدولة اللبنانية سيادتها لا يمكن أن تتحقق بمجرد تراجع نفوذ طهران، بل تتطلب مؤسسات قادرة على فرض القانون، وقراراً وطنياً مستقلاً، ومعالجة الاختلالات الداخلية التي سمحت بتقييد سلطة الدولة.

وهنا تكمن المفارقة: قد تفتح التحولات الإقليمية نافذة أمام لبنان، لكن النافذة لا تتحول إلى فرصة ما لم توجد إرادة سياسية قادرة على استثمارها.

إن السؤال الحقيقي لم يعد فقط ما إذا كان النفوذ الإيراني سيتراجع، بل ما إذا كانت دول المنطقة، ولبنان تحديداً، تمتلك رؤية سياسية تحوّل تراجع الصراعات إلى استقرار مستدام.

ففي نهاية المطاف، ليس الانتصار الاستراتيجي أن تُضعف خصمك فحسب، بل أن تبني واقعاً سياسياً يجعل العودة إلى المواجهة أقل جدوى من الذهاب إلى التسوية. أما لبنان، فليس أمامه أن ينتظر ما ستقرره العواصم الكبرى، بل أن يحدد موقعه في مرحلة قد تعيد رسم موازين المنطقة، قبل أن تُرسم مستقبلاً على حسابه.