لبنان بين استقرار هش وتهديد متواصل
لم يعد السؤال المطروح في لبنان ما إذا كانت الديبلوماسية قادرة على منع حرب جديدة، بل إلى أي مدى تستطيع تأجيلها وضبط التصعيد، في ظل تفاهمات أمنية هشّة لم تتحول إلى تسوية تضمن الاستقرار. فالمسارات التفاوضية التي تقودها واشنطن، سواء على الجبهة اللبنانية أو مع إيران، ساهمت في احتواء المواجهة، لكنها لم تعالج أسبابها، فيما يبقى لبنان معرضاً لدفع ثمن انهيار تفاهمات إقليمية لم يشارك في صياغتها.وتزداد خطورة المرحلة مع تعقّد المشهد السياسي الإسرائيلي واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني، وسط مخاوف من تجدد المواجهة مع إيران إذا أخفقت الوساطات الجارية .شكّل وقف الأعمال العدائية في نيسان، ثم الاتفاق الإطاري الثلاثي المعلن في ٢٦ حزيران، محاولة لإرساء قواعد لضبط المواجهة بين لبنان وإسرائيل.لكن التفاهمات لم تفضِ إلى جدول زمني ملزم للانسحاب، فيما بقي تنفيذ الترتيبات الأمنية محدوداً، وسط خلاف حول ترتيب الالتزامات والضمانات المتبادلة.فواشنطن تضغط للانتقال من القرارات اللبنانية بشأن حصرية السلاح إلى التنفيذ الميداني، بينما تتمسك بيروت بأن نجاح هذه العملية يتطلب وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة .ويثير استمرار المفاوضات بالتوازي مع الضربات الإسرائيلية تساؤلات حول جدية الانتقال إلى تسوية. فقد تستخدم إسرائيل التفاوض لكسب الوقت مع الاحتفاظ بحرية العمل العسكري .أفرزت الانتخابات الإسرائيلية في ٢٧ تشرين الأول مشهداً سياسياً معقداً، من دون أن يتمكن أي طرف من تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.ويفتح هذا التوازن الباب أمام مفاوضات ائتلافية صعبة قد تنعكس على القرار العسكري تجاه لبنان وإيران. فقد يدفع الغموض السياسي نتنياهو إلى التشدد لإظهار قدرته على حماية الأمن الإسرائيلي، أو إلى تجنب مواجهة واسعة تعقّد مساعيه للبقاء في السلطة.لكن الخطر الأبرز يكمن في احتمال استمرار إسرائيل في فرض واقع أمني جديد جنوب لبنان، يقوم على مواصلة الضربات المحدودة ضد حزب الله والاحتفاظ بحرية التدخل العسكري، حتى في ظل المفاوضات الجارية.وهنا يبرز السؤال: هل تسعى إسرائيل إلى تسوية تنهي المواجهة، أم إلى ترتيبات أمنية تسمح لها بمواصلة الضغط العسكري من دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟تكتسب الوساطات القطرية والباكستانية أهمية متزايدة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، وسط مخاوف من استئناف العمليات العسكرية ضد إيران إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.وتتداول معلومات غير مؤكدة عن رغبة إيرانية في تجنيب حزب الله المشاركة في أي مواجهة أميركية جديدة.لكن عدم رغبة الحزب في الحرب لا يضمن بقاء لبنان خارجها. فطبيعة العمليات ضد إيران قد تغيّر الحسابات، خصوصاً إذا استهدفت منشآت استراتيجية أو اعتبرت إسرائيل المواجهة فرصة لتوسيع ضرباتها ضد الحزب.وبذلك قد يجد لبنان نفسه أمام تصعيد لا يقرره، سواء عبر تدخل الحزب أو عمليات إسرائيلية استباقية، بما يحوّل الجبهة اللبنانية مجدداً إلى امتداد للصراع الإقليمي.وتزداد هشاشة التهدئة مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، في ظل غياب تصور نهائي للترتيبات الأمنية البديلة.فانتشار الجيش اللبناني، رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان الاستقرار من دون آلية مراقبة دولية والتزامات إسرائيلية واضحة. كما أن المهمة الأوروبية المقترحة لدعم الجيش وقوى الأمن، بطابعها التدريبي والاستشاري، لا تشكل بديلاً ميدانياً مباشراً عن القوات الدولية.تواجه السلطة اللبنانية، معادلة معقدة: تنفيذ حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة وقرار السلم والحرب بالتوازي مع المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات.فالخطر لا يكمن في انهيار التهدئة وحده، بل في تحول التفاهمات المؤقتة إلى بديل دائم عن التسوية، بما يترك لبنان تحت تهديد حرب يمكن تأجيلها، لكن لا يمكن استبعادها. وبين ضغوط حصرية السلاح وغياب الضمانات المقابلة، تجد الدولة نفسها مطالبة بتحمل مسؤولية الاستقرار من دون امتلاك جميع أدوات فرضه.
لم يعد السؤال المركزي المطروح في لبنان يتعلق بإمكانية منع حرب جديدة، بل بمدى القدرة على تأجيلها والسيطرة على وتيرة التصعيد. في ظل تفاهمات أمنية ضعيفة لم تترجم بعد إلى تسوية حقيقية تضمن الاستقرار المستدام، يبقى البلد معرضاً لتبعات انهيار تفاهمات إقليمية لم يكن طرفاً في صياغتها.
شكّل وقف الأعمال العدائية في نيسان والاتفاق الإطاري الثلاثي المعلن في حزيران محاولة لتأسيس قواعد ضبط الصراع بين لبنان وإسرائيل. غير أن هذه التفاهمات لم تفضِ إلى جدول زمني ملزم للانسحاب، بينما بقي تنفيذ الترتيبات الأمنية محدوداً وسط خلافات حول ترتيب الالتزامات والضمانات المتبادلة. تصرّ السلطات اللبنانية على أن نجاح عملية حصرية السلاح يتطلب وقفاً للاعتداءات وانسحاباً إسرائيلياً، بينما يتم الضغط من جهات أخرى للانتقال إلى التنفيذ الميداني.
يعمق الغموض السياسي الإسرائيلي من حدة القلق حول مستقبل المواجهة. قد يدفع الوضع السياسي المعقد نتنياهو إما للتشدد لإظهار قدرته على حماية الأمن الإسرائيلي، أو لتجنب مواجهة واسعة. لكن الخطر الأكبر يكمن في احتمال استمرار إسرائيل في فرض واقع أمني جديد جنوب لبنان قائم على مواصلة الضربات المحدودة والاحتفاظ بحرية التدخل العسكري، حتى في سياق المفاوضات الجارية.
تكتسب جهود الوساطة أهمية متزايدة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، وسط مخاوف من استئناف العمليات العسكرية ضد إيران في حال فشل المسار الدبلوماسي. على الرغم من المؤشرات غير المؤكدة حول رغبة إيرانية في إبعاد حزب الله عن أي مواجهة جديدة، فإن عدم رغبة الحزب في الحرب لا يضمن بقاء لبنان خارجها. فطبيعة أي عمليات ضد إيران قد تعيد حساب المعادلات، خاصة إذا استهدفت منشآت استراتيجية أو استخدمتها إسرائيل ذريعة لتوسيع ضرباتها.
تزداد هشاشة الهدنة مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، في ظل غياب تصور واضح للترتيبات الأمنية البديلة. انتشار الجيش اللبناني، رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان الاستقرار من دون آليات مراقبة دولية وتعهدات إسرائيلية صريحة. كما أن المهام الاستشارية المقترحة لا تشكل بديلاً ميدانياً فعلياً عن القوات الدولية.
تواجه السلطة اللبنانية معادلة شائكة: تنفيذ حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة في آن واحد مع المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. الخطر الحقيقي لا يكمن في انهيار التهدئة وحسب، بل في تحول التفاهمات المؤقتة إلى بديل دائم عن التسوية الحقيقية، ما يترك لبنان تحت تهديد حرب قابلة للتأجيل لكن لا يمكن استبعادها بشكل نهائي. وبين ضغوط حصرية السلاح وغياب الضمانات المقابلة، تجد الدولة نفسها مسؤولة عن الاستقرار من دون امتلاك جميع أدوات تحقيقه.