لبنان بين الدولة ومشروع الوصاية: معضلة حزب الله التي لا تحلها التسويات

بقلم رئسة التحرير ليندا المصري خاص مراسل نيوز

لبنان بين الدولة ومشروع الوصاية: معضلة حزب الله التي لا تحلها التسويات

ليست أزمة لبنان مع حزب الله مجرد خلاف على السلاح، بل هي أزمة تتصل بجوهر السيادة الوطنية: من يملك القرار النهائي في الحرب والسلم، الدولة اللبنانية أم قوة مسلحة ترتبط حساباتها بمشروع إقليمي يتجاوز حدود الوطن؟

هنا تكمن المعضلة الحقيقية. فلبنان يتحمل نتائج المواجهات وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فيما يبقى قرار الحرب مرتبطاً بتوازنات لا يملك اللبنانيون وحدهم تحديد مسارها. وهكذا تجد الدولة نفسها مسؤولة عن حماية المواطنين، من دون أن تمتلك بالضرورة السيطرة الكاملة على القرارات التي قد تعرّضهم للخطر.

لا يمكن إنكار حق لبنان في الدفاع عن أرضه، ولا تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية وتهديداتها. لكن إدانة إسرائيل لا تعني منح أي طرف داخلي تفويضاً مفتوحاً لاتخاذ قرارات مصيرية نيابة عن جميع اللبنانيين. فالدفاع عن الوطن مسؤولية وطنية، وليس امتيازاً سياسياً يعفي صاحبه من المساءلة.

المشكلة أن حزب الله لا يمثل قوة عسكرية وسياسية داخل لبنان فحسب، بل يشكل أيضاً أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة. وهنا تتصادم حسابات طهران الاستراتيجية مع حق اللبنانيين في تقرير أولوياتهم الوطنية.

فما قد يشكل ورقة ضغط لإيران قد يتحول إلى عبء على لبنان. وبين حسابات النظام الإيراني ومتطلبات الدولة اللبنانية، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام سؤال جوهري: هل تُستخدم قدرات البلاد لحماية استقرارها، أم تصبح جزءاً من معادلة إقليمية لا يملك لبنان التحكم بنتائجها؟

لقد أثبتت التجربة أن امتلاك السلاح يمنح صاحبه قوة على الأرض، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على بناء دولة مستقرة. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى سيادتها منقوصة، وتظل قدرتها على استعادة الثقة والاستثمار والنهوض الاقتصادي رهينةً لمعادلات أمنية وسياسية متقلبة.

لكن تحميل إيران وحزب الله وحدهما مسؤولية الأزمة لا يكفي. فقد ساهم ضعف الدولة، والمحاصصة، وتعطيل المؤسسات، وعجز الطبقة السياسية عن بناء مشروع وطني جامع، في تكريس واقع أصبحت فيه السيادة موضوع تسويات متكررة بدلاً من أن تكون قاعدة ثابتة للحكم.

والأخطر أن استمرار هذا الواقع يجعل كل تسوية قابلة للانهيار عند أول تحول إقليمي. فوقف إطلاق النار قد يوقف المواجهة، لكنه لا يعالج الأسباب التي تجعل لبنان عرضةً للانجرار مجدداً إلى صراعات تتجاوز مصالحه المباشرة.

الحل: استعادة الدولة من دون تفجير الداخل

لا يكمن الحل في مواجهة داخلية مفتوحة، ولا في انتظار تغير النظام الإيراني، بل في بناء مسار وطني يعيد القرار السيادي إلى المؤسسات الدستورية، ويضع معالجة السلاح خارج الدولة ضمن استراتيجية واضحة وقابلة للتنفيذ.

ويتطلب ذلك تعزيز قدرات الجيش اللبناني، وتوفير الدعم العربي والدولي للمؤسسات الشرعية، ووضع ضمانات أمنية تحمي لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، بالتوازي مع حوار وطني جاد يحدد آليات الانتقال إلى حصرية السلاح بيد الدولة.

ولا يجوز أن تتحول هذه العملية إلى استهداف لطائفة أو إقصاء لمكوّن لبناني. فالمطلوب ليس إلغاء حزب الله سياسياً أو حرمان جمهوره من حقوقه، بل إنهاء ازدواجية القرار العسكري، وإخضاع الجميع للدستور والقانون، بحيث تكون المشاركة السياسية حقاً مكفولاً، فيما تبقى السيادة مسؤولية الدولة وحدها.

وفي المقابل، لا تستطيع الدولة مطالبة اللبنانيين بالثقة بها من دون إصلاح مؤسساتها، ومكافحة الفساد، واستعادة الخدمات والعدالة، ووضع حد لمنطق المحاصصة الذي أضعفها. فاستعادة السيادة لا تنفصل عن بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

أما حزب الله، فيواجه استحقاقاً استراتيجياً يتجاوز الضغوط العسكرية والسياسية الراهنة: هل يستطيع مراجعة دوره والانتقال من قوة تمتلك قراراً عسكرياً مستقلاً إلى حزب سياسي يعمل ضمن دولة واحدة، أم سيظل لبنان مرتبطاً بمشروع إقليمي يدفع اللبنانيون كلفته؟

إن هذه المراجعة لا تعني التخلي عن جمهور الحزب أو إلغاء حضوره السياسي، بل تعني إعادة تعريف دوره بما ينسجم مع مبدأ الشراكة الوطنية، واحترام المؤسسات، وحق اللبنانيين جميعاً في تقرير مصيرهم.

الخلاصة أن لبنان لا يحتاج إلى استبدال وصاية إقليمية بأخرى، بل إلى استعادة قراره الوطني. فالعلاقات المتوازنة مع الدول العربية والمجتمع الدولي، واحترام السيادة، وحصر السلاح بيد الدولة، تشكل الأساس لأي استقرار مستدام.

قد تنجح التسويات في تأجيل الحرب، لكنها لن تصنع سلاماً دائماً ما لم تُعالج أزمة القرار السيادي. فلبنان لا يستطيع أن يبقى دولةً تتحمل مسؤولية الحرب ونتائجها، فيما لا تمتلك مؤسساته القرار الكامل بشأنها.

آخر الكلام: لا يمكن بناء دولة بقرارين، ولا حماية وطن حين يصبح مصيره رهينةً لمشاريع تتجاوز إرادة أبنائه.