أرزٌ على الصدور… ومجدٌ يعيد إلى الوطن جذوةَ الحضور
جان مارك زغيبللنشيد، حين يسبق المباراة، مهابةٌ تتجاوز الموسيقى؛ كأنّ وطناً بأسره يستجمع أنفاسه في حناجر أبنائه، ويستودع أسماءهم شيئاً من رجائه. يقفون، وتقف على صدورهم أرزةٌ؛ صغيرةٌ في التطريز، وارفةٌ في الوجدان. وفي امتداد ظلالها تلتقي قرىً ومدن، ووجوهٌ ومِحن، وبيوتٌ أرهقها الانتظار، وما برحت تترك للفرح موضعاً عند الأبواب.ثمّ تنطلق الصافرة.تتحرّك الأقدام، وتستفيق الأحلام.ونحن، الذين استنزفت الخيباتُ بعضَ يقيننا، نكتشف أنّ للقلب بقيّةً من الوثوق، وللأفق بقيّةً من الشروق.هذه هديّة منتخبات لبنان: سيداتٌ وناشئاتٌ وناشئون يردّون إلى الانتماء نضارته، وإلى الاجتهاد اعتباره، وإلى اسم البلاد اقتداره. تتجلّى في أدائهم حصيلةُ الإعداد، وفي تآزرهم فضيلةُ الاعتماد المتبادل؛ فإذا الموهبةُ انضباطٌ، وإذا الطموحُ مثابرةٌ، وإذا الحلمُ، حين يُحسَن تعهّده، جدارةٌ ظافرة.في الخامس من تشرين الأوّل 2026، تُوّج منتخب لبنان للناشئين تحت السابعة عشرة ببطولة غرب آسيا للمرّة الأولى في تاريخه، بعدما حسم النهائي أمام اليمن بركلات الترجيح بنتيجة أربعٍ مقابل ثلاث، إثر تعادلٍ سلبيّ على ملعب العقبة في الأردن.أقلّ من سبعة عشر عاماً.وفي هذه الأعمار الغضّة، اتّسع الصدرُ لرهبة الموقف، واستمسكت القدمُ بدقّتها عند احتدام الترقّب. ولركلات الترجيح امتحانُها النفسيّ الدقيق: أن يستحضر اللاعب مكتسبات التدريب، وأن يستبقي تركيزه وسط الضجيج، وأن يُحكم القرار حين تضيق المسافة بين التردّد والتسديد.خطواتٌ قليلةٌ نحو الكرة؛ وخلف الخطوات إعدادٌ طويل، وأمامها احتمالٌ جليل.ثمّ جاءت لحظة التتويج: تسلّم القائد محمد ماضي الكأس، وأُحرزت لمهدي مكي جائزة أفضل حارسٍ في البطولة. تقديرٌ فرديٌّ داخل استحقاقٍ جماعيّ، اجتمعت فيه الكفاءة والثبات، وتضافرت المهارة والمسؤوليّات.كأنّ الأيدي الفتيّة رفعت مع الكأس كُوّةً في جدار الانتظار؛ فتسرّب إلى البيوت ضوءٌ، وإلى النفوس اعتزازٌ، وإلى الغد احتمالُ ازدهار. وما أندى الفرح حين يطلّ من وجوه أبنائنا؛ نراهم يكبرون في المنافسة، ونكبر معهم في الرجاء.ولبنات الأرز في سجلّ الاعتزاز صفحاتٌ تستوجب الإضاءة، وتستحقّ الإشادة.في أيلول 2023، أحرز منتخب لبنان الأوّل للسيدات لقب البطولة الدولية الودية في السعودية، متغلّباً على بوتان بهدفٍ نظيفٍ بعد التمديد في النهائي. تتويجٌ يُقرأ ضمن طبيعته التنافسيّة، ويُقدَّر بوصفه محطةً في تراكم الخبرة وتعزيز الثقة الجماعيّة.وللّاعبة، وهي تحمل اسم بلادها، أثرٌ يتخطّى حدود الملعب. تراها طفلةٌ، فتجد لطموحها ملامح، ولموهبتها مطارح؛ ويصبح ما كان رغبةً خجولةً مشروعَ محاولةٍ مسؤولة. هكذا تتّسع دائرة الممكن: امرأةٌ تُتقن، وطفلةٌ تتيقّن؛ قدمٌ تتقدّم، ومخيّلةٌ تتعلّم.وفي شباط 2025، أحرزت ناشئات لبنان تحت السابعة عشرة بطولة غرب آسيا، بعد فوزهنّ على سوريا بأربعة أهدافٍ نظيفةٍ في النهائي. أربعة أهدافٍ أكّدت التفوّق في المواجهة الحاسمة، ومنحت العملَ المبذولَ ثمرةً مستحقّةً وتقديراً جديراً.يا لبهاء الجدارة حين تتفتّح في أوّل العمر.فتياتٌ يرفعن الكأس، وأخرياتٌ يرفعن إليهنّ أنظارهنّ؛ وبين اليد المرفوعة والعين المشدودة تعبر القدوة، فتستحيل شجاعةً مولودة. وفي كلّ حلمٍ يستفيق، امتدادٌ لذلك البريق.وفي نسخة 2026، بلغن النهائي مجدّداً، وحللن وصيفاتٍ بعد التعادل مع سوريا بهدفين لمثلهما والخسارة بركلات الترجيح. عودةٌ إلى المنافسة على اللقب تستحقّ التقدير، وتجربةٌ تستدعي التقويم والتطوير. فالمسيرة تنضج بما تستخلصه من دروس، وبما يحفظ للاعبات اتّزان النفوس.وكان للناشئات موعدٌ آخر مع السبق: التأهّل للمرّة الأولى إلى نهائيات كأس آسيا 20266، عقب الفوز على إيران بهدفين نظيفين في ختام التصفيات. وفي النهائيات تعادلن مع أستراليا بهدفٍ لمثله، قبل انتهاء مشاركتهنّ في دور المجموعات. إنجازُ تأهّلٍ وخبرةُ احتكاكٍ قاريّ، يصلحان أساساً لعملٍ تراكميّ.أن تفتحي باباً للمرة الأولى يعني أن تمنحي الآتيات أفقاً أرحب؛ أن تتركي في ذاكرة اللعبة علامةً، وفي وجدان صغيرةٍ دعامةً. من هنا تكتسب الخطوةُ امتدادها، وتكتسب الحكايةُ خلودَها الإنسانيّ: أن تجد أخرى في أثركِ ما يُبدّد ارتيابها، ويُيسّر اقترابها.وهنا تبدأ مسؤوليّتنا: رعايةٌ مؤسّسيّةٌ مستدامة، وتأهيلٌ فنيٌّ متدرّج، وعنايةٌ طبيّةٌ ملائمة، ومتابعةٌ إعلاميّةٌ مُنصفة. يستحقّ هؤلاء أن يصبح الاحتفاءُ احتضاناً، والإعجابُ التزاماً؛ وأن يتّسع التقدير للأجهزة الفنية والإدارية والعائلات، ولكلّ مَن يصون انتظام المسيرة خلف المشاهد والصور.يا أبناء الأرز وبناته، في كلّ تمريرةٍ بينكم درسٌ في الائتلاف، وفي كلّ جهدٍ متكاملٍ معنى لتجاوز الاختلاف. تعرف القدمُ مَن تلاقي، ويعرف اللاعبُ مَن يواكب؛ ومن هذا التفاهم تتشكّل قوّةُ الفريق، ويتّضح الطريق.وكم نحتاج إلى هذه الصورة في حياتنا: كفاءةٌ تجد سنداً، وموهبةٌ تجد مُعتمَداً، واجتهادٌ يثمر غداً.وسيأتي طفلٌ إلى ملعبه الأوّل، وستشدّ طفلةٌ رباط حذائها. سيحملان من حكاياتكم جذوةً تكفي للبداية، وشجاعةً تستدعي الرعاية. هناك يطول عمر الانتصار: من قدوةٍ إلى قدرة، ومن فكرةٍ إلى خبرة، ومن خطوةٍ وجِلةٍ إلى عزيمةٍ مقبلة.وحين يهدأ التصفيق، سيبقى الأثرُ العميق.ستستقرّ الكؤوس، ويواصل الرجاءُ سفره في النفوس.وسيذكر لبنان أنّ أبناءه وبناته منحوه، في لحظةٍ مثقلةٍ بالانتظار، فسحةً للاعتزاز، وحجّةً للإصرار.فامضوا؛ على صدوركم أرزٌ، وفي اجتهادكم له جذور.وفي كلّ حلمٍ أيقظتموه، غصنٌ يستزيد من النور.حملتم اسم لبنان إلى الميدان،فأعدتم إلى قلوبنا سعةَ الإيمان؛ومضيتم نحو المرمى بثبات،فتركتم للآتين دروباً…وللوطن بدايات.
حين يرفع اللاعبون أرزة الوطن على صدورهم قبل الانطلاقة، يتجاوز الأمر حدود اللعبة إلى معنى أعمق؛ فالرياضة تصبح لسان حال أمة تستجمع آمالها في أبنائها وبناتها، وتستودعهم رسالة تتخطى ملاعب كرة القدم لتصل إلى قلوب الملايين.
في الخامس من تشرين الأول 2026، حقق منتخب لبنان للناشئين تحت السابعة عشرة إنجازاً تاريخياً بتتويجه ببطولة غرب آسيا للمرة الأولى. على ملعب العقبة في الأردن، حسم الفريق النهائي أمام اليمن برباعية في ركلات الترجيح، بعد تعادل سلبي استنزف كل طاقات اللاعبين الفتيان. في تلك الأعمار الغضة، تجلت القدرة على التعامل مع ضغط الموقف؛ استحضر اللاعبون مكتسبات إعدادهم وحافظوا على تركيزهم وسط الترقب الشديد. تسلم القائد محمد ماضي الكأس، فيما نال حارس المرمى مهدي مكي جائزة أفضل حارس في البطولة، معترفاً بدوره الحاسم في هذا الإنجاز الجماعي.
ولم تقتصر الإنجازات على الناشئين. ففي أيلول 2023، حقق منتخب لبنان الأول للسيدات لقب البطولة الدولية الودية في السعودية، متغلباً على بوتان بهدف نظيف بعد التمديد في النهائي. هذا التتويج لم يكن مجرد فوز رياضي؛ بل أصبح نقطة تحول في تعزيز الثقة الجماعية وتراكم الخبرة للفريق. لاعباتٌ حملن اسم بلادهن إلى الملعب، فأصبحن قدوة لطفلات يحلمن برياضة تترجم طموحهن إلى واقع ملموس.
وفي شباط 2025، توجت ناشئات لبنان تحت السابعة عشرة ببطولة غرب آسيا، بعد فوزهن على سوريا برباعية نظيفة في النهائي. أربعة أهداف لم تكن مجرد رقم على اللوحة، بل تأكيد على التفوق والإتقان والتضحية. فتيات في مقتبل العمر يرفعن الكأس، فيما صغيرات ينظرن إليهن برهبة، ومن هذه النظرة تُولد القدوة والشجاعة.
لكن الطريق ليس مستقيماً دائماً. ففي نسخة 2026 من البطولة نفسها، بلغت الناشئات النهائي مجدداً، لكنهن عادين وصيفات بعد تعادل بهدفين لمثلهما مع سوريا والخسارة في ركلات الترجيح. هذه النتيجة، رغم مرارتها، تستحق التقدير لأنها تعكس التزام الفريق بالعودة للمنافسة، وتوفر دروساً قيمة للتطوير المستقبلي.
وحققت الناشئات إنجازاً آخر بالتأهل للمرة الأولى إلى نهائيات كأس آسيا 2026. بعد الفوز على إيران برباعية نظيفة، وصلن إلى مستوى قاري لم يسبق لهن الوصول إليه. في النهائيات، تعادلن مع أستراليا بهدف لمثله قبل انتهاء مشاركتهن في دور المجموعات. هذا التأهل بحد ذاته تاريخ؛ ففتح الباب للمرة الأولى يعني منح الأجيال القادمة أفقاً أرحب، وترك علامة في ذاكرة اللعبة ودعامة في نفوس الطموحات الشابة.
لكن المسؤولية لا تنتهي عند التتويج. هذه الإنجازات تفرض على الجميع واجباً؛ رعاية مؤسسية مستدامة، تأهيل فني متدرج، عناية طبية ملائمة، ومتابعة إعلامية منصفة. يستحق هؤلاء اللاعبون والفنيون والإداريون والعائلات أن يتحول الاحتفاء احتضاناً، والإعجاب التزاماً. الكفاءة بلا سند ضعيفة، والموهبة بلا معتمد تذبل، والاجتهاد بلا رعاية لا يثمر.
وفي كل تمريرة بين اللاعبين درس في الائتلاف، وفي كل جهد متكامل معنى لتجاوز الخلافات. تعرف القدم من تلاقيه، ويعرف اللاعب من يواكبه. من هذا التفاهم تتشكل قوة الفريق، وتتضح الطريق. هذه الصورة التي نراها على الملاعب نحتاجها بإلحاح في حياتنا جميعاً: كفاءة تجد سنداً، موهبة تجد معتمداً، اجتهاد يثمر غداً.
وسيأتي طفل إلى ملعبه الأول، وستشد طفلة رباط حذائها. سيحملان من قصص هؤلاء اللاعبين جذوة تكفي للبداية، وشجاعة تستدعي الرعاية والاهتم