لبنان 2050: بوصلة تُكتب بأيدي اللبنانيين – رؤية اقتصادية لمستقبل وطني مشترك
د. محمد أحمد أبو هميا*يشبه لبنان اليوم قارباً في عرض البحر، تتقاذفه الأمواج منذ سنوات، ولا يعرف ركّابه إلى أي شاطئ يتجهون. بدأت العاصفة عام ألفين وتسعة عشر بانهيار نقدي ومصرفي، ثم جاءت جائحة كورونا، ثم انفجار مرفأ بيروت في آب عام ألفين وعشرين، ثم حرب مع إسرائيل خلّفت دماراً واسعاً في مناطق كثيرة من البلاد. وتزامنت هذه الصدمات مع خلافات عميقة بين اللبنانيين حول قضايا كثيرة، حتى بدا العقد الاجتماعي الذي يجمعهم في أضعف حالاته منذ تأسيس لبنان.وفي خضم هذه الأزمات، يبرز سؤال يتجاوز معالجة الخسائر والعودة إلى الاستقرار: أي اقتصاد يريد اللبنانيون أن يبنوه؟ بل إن وراء هذا السؤال سؤالاً وطنياً أوسع: ما المشروع المشترك الذي يستطيع اللبنانيون الالتقاء حوله، رغم اختلافاتهم العميقة؟ فمن دون جواب عن هذه الأسئلة، يبقى القارب بلا بوصلة، وتبقى كل خطة إنقاذ، مهما حسنت نيتها، محاولة لتفادي الموجة القادمة لا للوصول إلى شاطئ محدد. ويشرح هذا المقال لماذا يحتاج لبنان إلى رؤية اقتصادية لعام ألفين وخمسين، ومن يضع هذه الرؤية، وكيف تصبح مرجعاً وطنياً ملزماً.لماذا الرؤية، ولماذا الآن؟الرؤية الاقتصادية هي اتفاق وطني على نوع الاقتصاد الذي يريد أبناء الوطن بناءه خلال جيل كامل، وعلى الأهداف والأولويات التي ينبغي أن توجه السياسات والقرارات الاقتصادية لتحقيقه. وهي لا تقتصر على إعلان طموحات عامة، بل تحدد ما الذي يريد البلد إنتاجه وتصديره، وأين يريد أن يستثمر موارده، وما الدور الذي ينبغي أن تؤديه الدولة والقطاع الخاص، وكيف يمكن خلق فرص العمل وتحقيق تنمية متوازنة بين المناطق. وبذلك تصبح الرؤية مرجعاً يوجّه الحكومات المتعاقبة، ويمنح السياسات الاقتصادية اتجاهاً واضحاً يتجاوز البرامج والقرارات قصيرة الأجل.وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في الحالة اللبنانية اليوم. فلبنان يواجه، إلى جانب أزماته المالية والاقتصادية، سؤالاً أساسياً حول وجهة اقتصاده في العقود المقبلة. هل يمتلك البلد حالياً رؤية اقتصادية وطنية واضحة ومتكاملة، معلنة ومصاغة في أهداف وأولويات وسياسات مترابطة، تقود مسار الاقتصاد وتوجّه قرارات الحكومات؟ أم أن ما لديه لا يتجاوز خططاً وبرامج قطاعية أو إجراءات لمعالجة أزمات آنية، من دون إطار وطني طويل الأمد يجمعها في اتجاه واحد؟ إن وجود مثل هذه الرؤية، إن توافرت، ينبغي أن يكون واضحاً في أهدافها، ومصادر تمويلها، وآليات تنفيذها، ومؤشرات قياس نتائجها.وتظهر الحاجة إلى هذا الإطار بوضوح عند النظر إلى التحدي المالي الذي يواجه لبنان، ومنه مسألة إعادة أموال المودعين. فحتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق على آلية قانونية لاسترداد الودائع، يبقى السؤال العملي: من أين ستأتي الأموال اللازمة لتنفيذها؟ لا يستطيع لبنان أن يعتمد على الاقتراض إلى ما لا نهاية، ولا أن يجعل زيادة الضرائب والرسوم على المواطنين والمؤسسات مصدراً أساسياً لتمويل هذه الالتزامات، في اقتصاد يعاني أصلاً من تراجع الدخل والقدرة الإنتاجية. لذلك، لا بد من البحث عن مصدر مستدام للموارد، يقوم على توسيع الإنتاج الوطني، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات المنتجة، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد الدخل والعملات الأجنبية.وهنا تتضح الصلة بين استرداد الودائع والرؤية الاقتصادية. فبناء اقتصاد منتج وقادر على التصدير لا يعيد الأموال تلقائياً، لكنه يخلق الشروط الاقتصادية والمالية التي يمكن أن تتيح توفير موارد حقيقية ومستدامة للمساهمة في الوفاء بهذه الالتزامات، من خلال نمو النشاط الاقتصادي، واتساع الإيرادات العامة، وتحسن القدرة على توليد العملات الأجنبية. ومن دون سياسات طويلة الأمد تقود هذا التحول، قد تبقى الوعود المالية منفصلة عن القدرة الفعلية للاقتصاد على تنفيذها. ومن هنا، فإن الحاجة إلى رؤية اقتصادية لا تتعلق فقط بتحديد مستقبل لبنان، بل أيضاً بتحديد الطريق الذي يمكن أن يقود إلى استعادة الحقوق المالية على أساس إنتاجي، بدلاً من إعادة إنتاج الأزمة عبر مزيد من الديون أو الأعباء على المواطنين.لكن أهمية الرؤية لا تقتصر على مضمونها الاقتصادي أو على قدرتها على توجيه السياسات. ففي بلد تتسع فيه الانقسامات السياسية والطائفية والاجتماعية، وتتعرض فيه الثقة بين مكوناته للاهتزاز، تبرز الحاجة إلى مساحة وطنية يستطيع اللبنانيون الالتقاء فيها حول مصالح مشتركة، من دون أن يكون الاتفاق على القضايا السياسية الخلافية شرطاً مسبقاً لذلك. فالاقتصاد، بما يتضمنه من إنتاج وفرص عمل واستثمار وتجارة وتنمية للمناطق، يفتح مجالاً للنقاش والتعاون تتقاطع فيه مصالح فئات ومناطق ومكونات مختلفة. وقد يختلف اللبنانيون في رؤيتهم للنظام السياسي أو في قضايا الهوية والتمثيل، لكنهم يستطيعون مناقشة مستقبل فرص العمل، ومستوى المعيشة، والإنتاج الوطني، ومستقبل أبنائهم، وما يمكن أن يحققه بلدهم إذا اتفقوا على اتجاه اقتصادي مشترك.ومن هنا، يمكن للحوار حول الرؤية الاقتصادية أن ينقل جانباً من النقاش العام من دائرة الخلافات السياسية المستعصية إلى مساحة أوسع من المصالح الوطنية المشتركة. ولا يعني ذلك أن الاقتصاد يحل الخلافات السياسية أو يحلّ محل معالجتها، بل إنه يوفر مجالاً موازياً للتعاون، ويتيح للبنانيين أن يختبروا قدرتهم على الاتفاق والعمل المشترك رغم استمرار اختلافاتهم. وهذا بحد ذاته يمكن أن يساهم في ترميم الثقة، وتعزيز الشعور بالشراكة في الوطن، وإعادة بناء بعض الأسس التي يقوم عليها العقد الاجتماعي.من يكتب الرؤية؟ حوار وطني بين تسعة وثمانية عشر شهراًلا يعرف أحد ما يحتاجه لبنان أكثر من اللبنانيين أنفسهم. ولهذا يقترح هذا المقال إطلاق حوار وطني اقتصاديبمبادرة من الرئاسات الثلاث، يمتد من تسعة أشهر وثمانية عشر شهراً. ويشارك فيه ممثلو مجلس النواب، والبلديات المنتخبة، واتحاد البلديات، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والنقابات والهيئات الاقتصادية، ووسائل الإعلام، وعامة المواطنين من المقيمين والمغتربين. وقد شهد لبنان طاولات حوار وطني سابقة، انصرف معظمها إلى الملفات السياسي
يعيش لبنان أزمة متعددة الأوجه تتطلب أكثر من معالجة الخسائر الفورية. فمنذ عام 2019 تتعاقب على البلد صدمات اقتصادية وسياسية واجتماعية متلاحقة: انهيار نقدي ومصرفي، جائحة عالمية، كارثة المرفأ، ودمار واسع من نزاعات عسكرية. وسط هذه الأزمات، برز سؤال جوهري يتجاوز الإنقاذ الآني: أي اقتصاد يريد اللبنانيون بناءه؟ وما المشروع الوطني المشترك الذي يستطيعون الالتقاء حوله رغم اختلافاتهم؟
الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب رؤية اقتصادية وطنية طويلة الأمد تمتد إلى عام 2050. فالرؤية ليست مجرد تطلعات عامة، بل اتفاق على نوع الاقتصاد المطلوب وأولوياته وآليات تحقيقه خلال جيل كامل. وهي تحدد ما يريد البلد إنتاجه وتصديره، وكيف يستثمر موارده، والدور المناط بالدولة والقطاع الخاص، وسبل خلق فرص العمل وتحقيق التنمية المتوازنة.
تكتسب هذه الرؤية أهمية حيوية في سياق الأزمة المالية الراهنة. فحتى مع إيجاد حل قانوني لاسترجاع ودائع المودعين، يبقى السؤال العملي: من أين ستأتي الموارد اللازمة؟ لا يستطيع لبنان الاعتماد على الاقتراض المستمر أو زيادة الأعباء الضريبية في اقتصاد منهك. المخرج يكمن في بناء اقتصاد منتج قادر على التصدير وجذب الاستثمارات، يوسّع الإنتاج الوطني ويخلق العملات الأجنبية بشكل مستدام.
تتعدى أهمية الرؤية الجوانب الاقتصادية البحتة. ففي بلد تتسع فيه الانقسامات السياسية والطائفية، توفر الرؤية الاقتصادية مساحة وطنية يلتقي فيها اللبنانيون حول مصالح مشتركة، دون أن يكون الاتفاق على القضايا السياسية الخلافية شرطاً مسبقاً. فالنقاش حول الإنتاج والعمالة والتنمية والمعيشة يفتح مجالاً للحوار يتقاطع فيه تطلعات جميع المكونات والمناطق، مما يوفر ممارسة عملية لإعادة بناء الثقة والشعور بالشراكة الوطنية.
يُقترح إطلاق حوار وطني اقتصادي بمبادرة من الرئاسات الثلاث، يستمر بين تسعة وثمانية عشر شهراً. يشارك فيه ممثلو مجلس النواب والبلديات والجامعات ومراكز الأبحاث والنقابات والهيئات الاقتصادية والإعلام والمواطنون من المقيمين والمغتربين. يختلف هذا الحوار عن محاولات سابقة بتركيزه على سؤال اقتصادي محدد لا يتطلب حلاً للخلافات السياسية الأخرى.
بالتزامن مع الحوار، تُشكَّل لجنة من الخبراء المستقلين وفق معايير مهنية وشفافة. دورها محدد: تستقبل المقترحات والآراء، توثقها، وتجمع نقاط الاتفاق، وتبيّن الخلافات. ثم تترجم كل ذلك إلى مسودة رؤية مكتوبة. اللجنة لا تفرض رؤيتها الخاصة، بل تؤدي دور المترجم الأمين بين ما قاله الناس وما ينبغي أن تتضمنه الوثيقة النهائية.
لا تكتمل قيمة الرؤية إلا بإقرار مجلس النواب لها ضمن إطار قانوني يرسّخ استمراريتها ويضع ضوابط لتعديل أهدافها الأساسية، مما يحول دون تبدّلها مع التغييرات السياسية. ومن وظيفة الرؤية اشتقاق الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية منها، وترجمة أهدافها إلى برامج تنفيذية وجداول زمنية ومؤشرات قابلة للقياس.
لن تحل الرؤية الاقتصادية الخلافات السياسية أو الاجتماعية العميقة، ولن تجعل البحر هادئاً أو تغني عن عمل شاق وتضحيات. لكنها تمنح اللبنانيين ما لا غنى عنه: اتفاق على الاتجاه. فالقارب الذي يتجه كل من فيه إلى شاطئ مختلف لا يصل إلى أي شاطئ، بينما البلد الذي يتفق أبناؤه على وجهة اقتصادية مشتركة يمتلك فرصة أفضل لمواجهة أزماته والحفاظ على شعور الشراكة في المصير الواحد.
لبنان يملك مقومات يمكن البناء عليها: جامعات عريقة، وكفاءات لبنانية منتشرة حول العالم، و