مخاوف من فراغ أمني خطير في الجنوب عقب انسحاب القوات الدولية
يرى مصدر دولي رفيع في حديث إلى النهار أن جنوب لبنان يتجه نحو مواجهة مباشرة بين الجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني، في ظل اقتراب موعد بدء انسحاب اليونيفيل نهاية الشهر المقبل، وغياب أي مبادرة دولية جدية لإيجاد قوة بديلة أو آلية مراقبة دولية تحل محلها.ويحذّر المصدر من أن غياب القوة الدولية قد يفتح الطريق أمام احتلال إسرائيلي طويل الأمد لأجزاء من الجنوب، عبر فرض منطقة عازلة متقدمة بقرار إسرائيلي أحادي الجانب، بما يحوّل واقع الفصل الميداني القائم إلى ما يشبه الضم الفعلي لأراضٍ لبنانية، بذريعة حماية الحدود الإسرائيلية.ويشير إلى أن الوقت يضيق، إذ يُفترض أن تبدأ مغادرة القوة الدولية اعتباراً من مطلع كانون الثاني- يناير، فيما لم يُتخذ حتى الآن أي قرار في شأن إحلال قوة متعددة الجنسية أو فريق مراقبين دوليين محلها. وفي غياب المبادرة قبل نهاية كانون الأول-ديسمبر، يخشى المصدر أن يجد لبنان نفسه أمام فراغ أمني وديبلوماسي بالغ الخطورة.تشدد أميركيتكمن المشكلة الأساسية، بحسب المصدر، في الموقف الأميركي المتشدد من أيّ استمرار للحضور الدولي جنوبا. فالإدارة الأميركية تدفع في اتجاه إنهاء مهمة اليونيفيل، وترفض حتى الآن استبدالها بقوة دولية أخرى، مطالبة الدولة اللبنانية بتحمّل مسؤولية الوضع الأمني والمواجهة مع إسرائيل بمفردها، من دون الاستناد إلى مظلة دولية، لاقتناعها بأن إسرائيل تتولى ضمان أمن المنطقة بنفسها.ويضيف المصدر أن الوجود العسكري الأميركي في لبنان لن يتجاوز مستواه الحالي، المتمثل بحسب معلوماته في عنصرين من الجيش الأميركي يشاركان في آلية مراقبة وقف النار المعروفة بـالميكانيزم. فلا نية لدى واشنطن لنشر أي قوة أميركية على الأرض اللبنانية، وهو ما سبق أن أكده السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أمام ديبلوماسيين.أما فرنسا التي كانت من أبرز الدول المدافعة عن استمرار الدور الدولي جنوبا، فلا تبادر حالياً إلى أيّ تحرك فعّال داخل مجلس الأمن لإيجاد صيغة بديلة. ويعزو المصدر هذا الجمود إلى خيبة الأمل الفرنسية المتكررة من مواقف القيادات اللبنانية التي لم تتقدم بطلب سيادي واضح إلى باريس لنشر قوة بديلة للمراقبة بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.ويشير إلى أن رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لم يتمكنا حتى الآن من بلورة موقف لبناني واضح ومحدد في ظل الضغوط الأميركية المباشرة، الأمر الذي يترك باريس من دون مبادرة لبنانية رسمية يمكن الاستناد إليها للتحرك ديبلوماسياً.مشروع مجمّدوكانت فرنسا وإيطاليا قد بحثتا في إمكان إنشاء قوة متعددة الجنسيات تتولى بعض مهمات المراقبة والمواكبة بعد انسحاب اليونيفيل، إلا أن المشروع جُمّد عملياً نتيجة تراجع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن الالتزام السياسي لإرسال جنود إلى لبنان، في ظل اقتراب استحقاقات انتخابية داخلية، والمخاوف من المخاطر العسكرية والديبلوماسية التي قد تواجه القوة الإيطالية.ويحذّر المصدر من أن أخطر تداعيات هذا الفراغ ستكون على الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، إذ إن غياب المراقبين الدوليين سيضعف الرقابة المحايدة على الانتهاكات والتحركات العسكرية، ويهدد آليات التحقق والتنسيق الثلاثية التي كانت تجمع الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية اليونيفيل.وفي هذا السياق، يلفت المصدر إلى ما يسميه العقيدة الإسرائيلية الجديدة للمنطقة العازلة، القائمة على استغلال الفراغ الأمني بين الخط الأصفر والخط الأزرق لفرض منطقة أمنية متقدمة ودائمة داخل الأراضي اللبنانية.ويخشى أن تتحول هذه المنطقة تدريجاً إلى واقع احتلال ثابت، بحيث تصبح إسرائيل الجهة العسكرية المهيمنة على الأرض، من دون وجود قوة دولية تراقب تحركاتها أو توثق انتهاكاتها بصورة مستقلة.ويخلص إلى أن غياب المبادرة اللبنانية والتحرك الفرنسي، بالتزامن مع الرفض الأميركي لأيّ بديل دولي، قد يترك جنوب لبنان أمام واقع جديد لا يقتصر على الفراغ الذي سيخلّفه انسحاب اليونيفيل، بل يمتد إلى خطر تكريس احتلال إسرائيلي طويل الأمد يصعب التراجع عنه لاحقاً بالوسائل الديبلوماسية.
يحذّر مراقبون دوليون من تداعيات حرجة قد تواجه المنطقة الحدودية الجنوبية في لبنان مع اقتراب موعد انسحاب القوات الدولية في مطلع العام الجديد، خاصة في ظل غياب أي خطة بديلة واضحة لملء الفراغ الأمني الذي سيتركه هذا الانسحاب.
وتشير تقييمات دبلوماسية إلى احتمالية نشوب مواجهة مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، لا سيما أن الولايات المتحدة تعارض بشدة أي وجود دولي بديل في المنطقة وتطالب لبنان بتحمل المسؤولية الأمنية بمفردها. وتقتصر النوايا الأميركية على الحفاظ على الوجود العسكري الحالي المحدود جداً، الذي لا يتجاوز عنصرين فقط في آلية مراقبة وقف النار.
كما تبرز الصعوبات في تحقيق توافق أوروبي حول البديل، حيث تراجعت إيطاليا عن التزامها بالمشاركة في قوة دولية متعددة الجنسيات بسبب اعتبارات سياسية وانتخابية محلية، ما أدى إلى تجميد مشروع فرنسي إيطالي كان يهدف لتأمين المراقبة بعد الانسحاب.
تزداد المخاوف من استغلال إسرائيل للفراغ الأمني لفرض منطقة عازلة دائمة داخل الأراضي اللبنانية بقرار أحادي الجانب، بحجة حماية حدودها، وهو ما قد يتحول تدريجياً إلى احتلال فعلي طويل الأمد يصعب الخروج منه لاحقاً. ويؤثر الغياب الملحوظ للمبادرة اللبنانية الواضحة على القيادة السياسية التي لم تتقدم بطلب سيادي محدد للشركاء الدوليين، ما أضعف فرص التحرك الدبلوماسي الفرنسي.
وسيؤدي انسحاب القوات الدولية أيضاً إلى إضعاف الآليات الثلاثية التي كانت تجمع بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية دولية، مما يفقد الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 الرقابة المحايدة على الانتهاكات والتحركات العسكرية في المنطقة.