هيئة سلامة الغذاء اللبنانية بلا موظفين: صلاحيات واسعة وإمكانات معدومة

بعد 11 عاماً على إقرار قانون سلامة الغذاء، لا يزال هذا الملف الحيوي في لبنانمهملاً، لا يسترعي اهتمام السلطة إلا عندما تقع الكارثة، فتتحرّك دولة الطوارئ بين اجتماعات عاجلة، وبيانات، ووعود بخطط رقابية جديدة.مناسبة هذا الكلام أنالهيئة اللبنانيّة لسلامة الغذاءليس لديها حتى اليوم موظفون ولا إمكانات تتيح لها ممارسة دورها. فكيف يُطلب منها قيادة منظومة رقابية شاملة فيما لا تملك حتى جهازاً وظيفياً يمكّنها من التحرّك؟صلاحيات واسعة وإمكانات محدودةفي الاجتماع الطارئ الذي عقده رئيس الحكومة نواف سلامبعد الاشتباه في الإصابة بداء التريشينيلا، أعلن إطلاق إطار جديد للرقابة والوقاية تقوده الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، بالتعاون مع الوزارات والأجهزة المعنية. وكلّفها إعداد خطة فورية للكشف على المسالخ ومستودعات اللحوم وتقييم مدى استيفائها الشروط الصحية والفنية والقانونية، تحت طائلة إقفال المنشآت المخالفة.بذلك، وُضعت الهيئة في واجهة المسؤولية عن قيادة هذا المسار الرقابي. ولكن هل تملك فعلاً الأدوات اللازمة للقيام بهذه المهمة؟في حديثه إلى النهار، يوضح رئيس الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء البروفسور إيلي عوض أن تعيينه في هذا المنصب يعود إلى 4 شباط 2026، وأن الهيئة كانت قد طالبت الحكومة بالتحرّك في ملف السلامة الغذائية قبل تفاقم الحالات، إلى أن استجاب رئيس الحكومة للمراسلة وعقد الاجتماع الأخير.ويشرح أن من أبرز أدوار الهيئة التنسيق بين الإدارات المعنية، إلى جانب صلاحياتها الرقابية. إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإمكانات البشرية والإدارية واللوجيستية. ويقول: ليس لدينا موظفون ولا شيء، مشيراً إلى أن الهيئة تحاول في المرحلة الحالية ممارسة دورها التنسيقي بالاستعانة بموظفين من الإدارات والوزارات المعنية.والهيئة التي يُفترض أن تشكّل مرجعية موحّدة لسلامة الغذاء، ترتبط مهماتها بنحو 12 وزارة وإدارة عامة، إذ إن الرقابة الغذائية لا تقتصر على المطاعم أو المحال التجارية، بل تبدأ من المزرعة وتمتد إلى التصنيع والاستيراد والتخزين والتوزيع والنقل وصولاً إلى المستهلك.ولا يقتصر دورها على التنسيق، بل تتمتع بصلاحيات رقابية وتنفيذية تتيح لها القيام بدور الضابطة العامة واتخاذ إجراءات في حق المؤسسات المخالفة، بما فيها وقف عمل المنشآت وإقفالها وفق الأصول القانونية. لكن الصلاحيات، مهما اتسعت، تبقى غير كافية ما لم تتوافر فرق قادرة على تنفيذها.في هذا السياق، يكشف عوض أن مجلس الإدارة لا يزال يعمل من دون جهاز موظفين خاص به، موضحاً أن الرئيس ونائب الرئيس متفرغان للعمل، فيما يتقاضى الأعضاء الخمسة الآخرون بدلات عن حضور الجلسات. ويؤكد أن مخصصات الهيئة في الموازنة، وهي نحو 36 ألف دولار، لم تُصرف لها حتى الآن،فيما حجم الجهاز البشري المطلوب لرقابة فعلية تغطي مختلف المناطق اللبنانية، يقدّر بنحو 250 إلى 300 مراقب، بما يسمح بتوزيع المهمات على المحافظات ومتابعة مختلف حلقات السلسلة الغذائية.إلى ذلك، يشير إلى أن الهيئة أعدّت المراسيم التطبيقية اللازمة لتفعيل عملها وأحالتها على مجلس الوزراء في 4 تشرين الأول-أكتوبر 2026، وتنتظر ملاحظات الإدارات والجهات المعنية تمهيداً لاستكمال الإجراءات ونشرها ووضعها موضع التنفيذ.قلق من الوضع الغذائيلا يخفي عوض قلقه من الواقع الغذائي في لبنان، ويقرّ بأن سلامة الغذاء ليست بأحسن حالاتها، لافتاً إلى وجود أرقام ومؤشرات مخيفة تؤكد الحاجة إلى إعطاء هذا الملف الأهمية التي يستحقها.ويشرح أن المنظومة التي تطمح الهيئة إلى بنائها تقوم على ثلاثة محاور: تقييم المخاطر، وإدارتها، والتواصل في شأنها مع المواطنين. فعندما يُكتشف خطر في منتج أو مصدر غذائي معين، يجب أن تكون هناك قدرة على التحذير منه وإبلاغ الناس سريعا، بالتوازي مع اتخاذ الإجراءات الرقابية اللازمة. لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى أنظمة تقنية وموظفين وموارد مالية، وهي عناصر لا تزال الهيئة تفتقر إليها.أما في ما يتعلق بحالات الاشتباه في الإصابة بداء التريشينيلا، فيدعو عوض إلى عدم تضخيم الواقعة، موضحاً أن الحالات المرتبطة بهذا الملف محدودة وقيد المتابعة، وأن التحقيقات لم تكن قد انتهت بعد في انتظار استكمال النتائج المخبرية وتحديد المسؤوليات.وفيما تقع مسؤولية الرقابة بالدرجة الأولى على الدولة وأجهزتها، يشدد على أهمية وعي المواطنين وضرورة الانتباه إلى مصادر شراء المواد الغذائية، والتأكد من أن المؤسسات والموردين يعملون وفق الشروط المطلوبة.كما في ملفات كثيرة، كلّما عجزت الرقابة ارتفعت جرعة التوعية، وبدل أن تطمئن السلطات المختصة المواطنين إلى أن ما يصل إلى موائدهم يخضع للرقابة، تناشدهم التدقيق في مصادر غذائهم، والحذر مما يشترونه ويأكلونه...

هيئة سلامة الغذاء اللبنانية بلا موظفين: صلاحيات واسعة وإمكانات معدومة

تواجه منظومة الرقابة الغذائية في لبنان أزمة حقيقية تتعلق بالفجوة الكبيرة بين المسؤوليات الملقاة على عاتق الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء وقدراتها الفعلية على التنفيذ، وذلك بعد أحد عشر سنة على إقرار القانون المنظم لهذا القطاع الحساس.

كشف رئيس الهيئة البروفسور إيلي عوض، الذي تسلم منصبه في الرابع من شباط من العام الحالي، عن واقع مؤسف يؤكد أن الهيئة تفتقر إلى أي كادر موظفين خاص بها، مما يعيق قدرتها على ممارسة مهامها بشكل فعال. وأوضح أن المجلس الإداري للهيئة يضم رئيسا ونائب رئيس متفرغين فقط، فيما يتقاضى الأعضاء الخمسة الآخرون مستحقات عن حضور الجلسات، في حين أن حجم الجهاز البشري المطلوب للقيام برقابة شاملة يقدر بما بين 250 و300 مراقب.

تقع على عاتق الهيئة مهام تتعلق بقطاع غذائي معقد يشمل مراحل متعددة من الإنتاج إلى الاستهلاك، وتتطلب التنسيق مع نحو اثني عشر وزارة وجهة إدارية مختلفة. إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم توفر الموارد المالية والبشرية واللوجيستية اللازمة، حيث لم تُصرف المخصصات المرصودة في الموازنة والتي تبلغ حوالي 36 ألف دولار حتى الآن.

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد عقد اجتماعا عاجلا بعد تفشي حالات اشتباه بإصابات بداء التريشينيلا، حيث أعلن عن إطلاق إطار جديد للرقابة يقوده هذه الهيئة، وكلّفها بإعداد خطة فورية للفحص على المسالخ ومستودعات اللحوم والتحقق من توافقها مع الشروط الصحية والقانونية، مع توعيد بإغلاق المؤسسات المخالفة.

أشار عوض إلى أن الهيئة كانت قد طالبت الحكومة بالتحرك في هذا الملف قبل تفاقم الأوضاع، وأن السلطة تستيقظ على المشكلة فقط عند حدوث أزمة. وأكد أن المنظومة المقترحة تقوم على ثلاث دعائم: تقييم المخاطر، وإدارتها، والتواصل مع الجمهور بشأنها، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب أنظمة تقنية وموارد مالية كافية.

وفيما أعدت الهيئة المراسيم التطبيقية وأحالتها إلى مجلس الوزراء في الرابع من أكتوبر الماضي، لا تزال هذه المراسيم في انتظار ملاحظات الجهات المعنية قبل نشرها، في الوقت الذي يبدي رئيس الهيئة قلقا من الحالة الراهنة لسلامة الغذاء في البلاد، مشيرا إلى وجود مؤشرات مخيفة تستدعي إعطاء هذا الملف الأهمية التي يستحقها. وحول حالات التريشينيلا، دعا عوض إلى عدم المبالغة في تضخيم الواقعة، موضحا أن الحالات محدودة وقيد التحقيق وانتظار النتائج المخبرية النهائية.