هل المؤثر الرقمي مثقف؟ جدل الدور والسلطة في عصر وسائل التواصل

د. طلال الخزرجي – كاتب وطبيبلم يعد السؤال عـمن هو المثقف؟ استفساراً أكاديمياً بريئاً عن التعريفات، بل صار إشكالية تكشف تحولات أعمق في بنية المعرفة والسلطة. فإذا كان المثقف في صورته الكلاسيكية يمثل ضمير الأمة وحارس الحقيقة، فإن المشهد الثقافي المعاصر يعجّ بأشكال جديدة من الفاعلين الذين يقدمون أنفسهم بديلاً من ذلك الدور أو امتداداً له. وهنا تبرز ثنائية مثقف النخبة ومثقف العامة، لا بوصفها تبايناً في الأساليب فحسب، بل بوصفها صراعاً معرفياً على مرجعية الحقيقة، ووسائط إنتاجها، وعلاقتها بالجمهور. ويسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الثنائية عبر التاريخ، واستجلاء ملامحها في الحاضر، ثم معالجة الشبهة الأساسية التي تكتنفها: هل يمكن اعتبار مثقف العامة مثقفاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، أم أنه مجرد انعكاس لتحول خطير في بنية الحقل الثقافي؟في التصور الكلاسيكي الذي تبلور منذ عصر التنوير الأوروبي، كان المثقف ينتمي حتماً إلى النخبة. يتميز بقدرته على إنتاج المعرفة النظرية، لا على استهلاكها أو نقلها فحسب. وكان خطابه معقداً، متشابكاً مع مرجعيات أكاديمية أو مؤسسية، ويعتقد أن دوره الأساسي يتمثل في قيادة المجتمع نحو الحقيقة والعدل، غالباً في مواجهة السياسات التقليدية أو الأعراف السائدة. وفي السياق العربي، تجسّد هذا النموذج في رواد النهضة والعلماء الأزهريين الكبار وأعلام الفكر القومي، الذين كانوا يخاطبون النخبة ويكتبون في صحف ومجلات موجهة إلى فئة مثقفة ضيقة. أما النموذج التاريخي لـمثقف العامة فقد كان يُنظر إليه باعتباره مبسّطاً أو داعية لأفكار النخبة؛ هو الخطيب، أو الأديب الشعبي، أو الصحافي الذي يكتب بلغة مباشرة، أو شاعر العامية الذي ينقل هموم الناس بلغتهم. ولم يكن يحظى في الخطاب الثقافي الرسمي بلقب مثقف بالمعنى النخبوي، بل كان يوصف غالبا بـالإعلامي أو الواعظ. وظل دوره تابعاً في نظر النخبة: ينقل ولا ينتج، ويشرح ولا ينقد.ومع انهيار المرجعيات الأيديولوجية الكبرى بعد الحرب الباردة، وتسارع ثورة الاتصالات والإنترنت، حدث تحول جوهري في بنية الحقل الثقافي. تراجع احتكار النخبة للخطاب، إذ لم تعد الجامعات والمؤسسات الثقافية التقليدية المصدر الوحيد للمعرفة، بل انفتحت الفضاءات الرقمية لتتيح لأي فرد يمتلك كاريزما ولغة تواصلية أن يفرض نفسه فاعلاً ثقافياً مؤثراً. وتحول مثقف العامة اليوم إلى مؤثر ثقافي يستخدم لغة هجينة بين الفصحى والعامية، ويجيد توظيف منصات الفيديو القصير والبودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي. ولم يعد دوره مجرد نقل أفكار النخبة، بل أصبح هو المنتج الأول للرأي والتحليل في القضايا اليومية. فإذا كان مثقف النخبة يعمل في زمن بطيء يمتد لأشهر أو سنوات لإنجاز كتاب أو نظرية، فإن مثقف العامة يعمل في زمن آني، يستجيب للأحداث بلحظتها، ويقدم تحليلات سريعة قد تتحول إلى ترندات توجّه الرأي العام، كأنه مثقف الضوء الأخضر الذي لديه وقت لكل شيء إلا التأمل؛ مشغول دائماً بالاستجابة والتفاعل، لا بالغوص والمراجعة.وتتركز الشبهة في علاقة هذا النموذج الجديد بجوهر العمل الفكري. فمن جهة، يُتهم مثقف العامة المعاصر بأنه يساهم في استسهال المعرفة؛ فبينما كان المثقف الكلاسيكي يتعامل مع التردد والشك والمنهجية الطويلة، يقدم مثقف اليوم اليقين السريع في فيديو لا يتجاوز دقيقة، أو منشور مقتضب. والسؤال الحقيقي: هل يصنع هذا النموذج مواطناً واعياً قادراً على التفكير النقدي، أم مجرد مستهلك للمعرفة الجاهزة؟ ومن جهة أخرى، يواجه المثقف اليوم سلطة مزدوجة: سلطة الخوارزميات التي تحدد من يصل إلى الجمهور ومن يُحجب، وسلطة الإلغاء الاجتماعي التي تجعل الجمهور نفسه حكماً على المثقف. وفي هذا السياق، قد يتحول مثقف العامة من ناقد إلى بائع للوعي يلبي رغبات المتابعين خوفاً من فقدان الشعبية. لقد صار مثقفو العامة كأسماك الزينة؛ إن لم تطعمها تموت، فهم في سباق دائم لإرضاء جمهورهم العريض حفاظاً على الاهتمام الذي يمنحهم الشرعية والبقاء.والتحول الأخطر يتمثل في الانتقال من قيادة الجمهور إلى طاعته. فقد كان المثقف التقليدي يرى في الجمهور مجالاً للتوجيه والتنوير، أما مثقف العامة الرقمي فيخضع غالباً لمنطق التفاعل؛ فبدلاً من أن يقدم ما يراه صحيحاً حتى لو كان غير مرغوب فيه، صار يقدم ما يريد الجمهور سماعه، ما يضعف دوره النقدي الأساسي. وهنا تتداعى مقولة تشارلز بوكوفسكي التي تلتقط هذه المفارقة الوجودية بعمق: بعضهم يفقد عقله ويصبح روحاً هو المجنون، وبعضهم يفقد روحه ويصبح عقلاً هو المثقف، وبعضهم يفقد الاثنين وهو المقبول اجتماعياً. ولعل مثقف العامة المعاصر هو الأكثر تعرضاً لهذه المخاطرة، بحيث قد يضحي بجوهره النقدي أو روحه الأصيلة ليظل في دائرة القبول الاجتماعي الواسع.وهنا نصل إلى جوهر النقاش: هل نطلق على مثقف العامة لقب مثقف؟ يرى الرأي الكلاسيكي الرافض أن المثقف بطبيعته نخبوي، لأن الفعل الفكري الحقيقي يتطلب زمناً للتأمل، ومؤسسات راسخة، وقدرة على إنتاج المعرفة الأصلية لا إعادة تدويرها. وبناء عليه، فإن مثقف العامة هو بالأحرى ناقل محترف، وليس مثقفاً بالمعنى الدقيق؛ فما يفعله، مهما كان جماهيرياً، يبقى في خانة التسويق الثقافي لا الإبداع أو النقد النظري. ويؤكد هؤلاء أنه لا يوجد مثقف مقتنع بأنه مثقف، لذلك الجاهل فقط من يدّعي الثقافة؛ فمن يمتلك وعياً حقيقياً بحدود معرفته لا يسهل عليه إطلاق الأحكام الجاهزة في فيديوات سريعة، بل يدرك أن طريق المعرفة طويل وشائك.في المقابل، يرى الرأي الواقعي أن التقسيم الهرمي بين نخبة مثقفة وعامة متلقية لم يعد صالحاً في عصرٍ توزعت فيه أدوات إنتاج المعرفة. فالمثقف اليوم ليس من يحوز المعرفة فحسب، بل من يستطيع تداولها وتوظيفها في سياقاتها الاجتماعية. وإذا كان مثقف النخبة يكتب كتاباً يقرأه خمسمئة شخص، ومثقف العامة يصنع محتوى يشاهده خمسة ملايين يتناقشون حول قضايا الاقتصاد أو السياسة أو المجتمع أو التعليم، فإن تأثيره في تشكيل الوعي الجمعي يفوق تأثير الأول. وفي هذا المنظور، يُعد مثقف العامة امتداداً ضرورياً لد

هل المؤثر الرقمي مثقف؟ جدل الدور والسلطة في عصر وسائل التواصل

تحول مفهوم الثقافة والمثقف بشكل جذري في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد تعريف المثقف مسألة أكاديمية نظرية بسيطة، بل غدت إشكالية معقدة تعكس تحولات عميقة في بنية المعرفة والسلطة الرمزية، خاصة مع انتشار المنصات الرقمية والإنترنت.

في النموذج التاريخي الكلاسيكي الذي ساد منذ عصر التنوير الأوروبي، كان المثقف ينتمي حصراً للنخبة، يتميز بقدرته على إنتاج المعرفة النظرية المعقدة، ويخاطب فئة ضيقة مثقفة من خلال الصحف والمجلات المتخصصة. أما من كانوا يقدمون المعرفة بلغة مباشرة وشعبية فقد وُصفوا بـ"الإعلاميين" أو "الوعاظ" وليس بالمثقفين، إذ كان دورهم مقتصراً على نقل أفكار النخبة وتبسيطها.

غير أن انهيار المرجعيات الأيديولوجية الكبرى بعد الحرب الباردة وثورة الاتصالات أحدثا تحولاً جوهرياً. لم تعد الجامعات والمؤسسات الثقافية التقليدية المصدر الوحيد للمعرفة، بل فتحت المنصات الرقمية الأبواب أمام أي شخص يمتلك كاريزما ولغة تواصلية فعالة ليصبح فاعلاً ثقافياً مؤثراً. تحول من يسمى "مثقف العامة" اليوم إلى منتج أول للرأي والتحليل، يستخدم لغة هجينة ويجيد توظيف الفيديوهات القصيرة والبودكاست وشبكات التواصل الاجتماعي، بدلاً من أن يكون مجرد ناقل للأفكار.

لكن هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول جودة هذا الفعل الثقافي. يعمل مثقف النخبة في زمن بطيء قد يمتد أشهراً أو سنوات لإنجاز عمل فكري جاد، فيما يعمل الآخر في زمن آني سريع يستجيب للأحداث بلحظتها. هذا التسارع قد يؤدي إلى تقديم يقين سريع في منشور مقتضب بدلاً من التردد والشك والمنهجية المتأنية التي تميز العمل الفكري الحقيقي.

تكمن الشبهة الأساسية في أن مثقف العامة الرقمي يواجه سلطات مزدوجة: سلطة الخوارزميات التي تحدد من يصل إلى الجمهور، وسلطة "الإلغاء" الاجتماعي من قبل المتابعين أنفسهم. هذا يجعله أسير معادلة صعبة بين تقديم الحقيقة وبين إرضاء الجمهور خوفاً من فقدان الشعبية والشرعية التي تمنحه البقاء.

والتحول الأخطر يكمن في الانتقال من دور "قيادة" الجمهور نحو الحقيقة إلى "طاعته" والاستجابة لرغباته. بدلاً من تقديم ما يراه صحيحاً حتى لو كان غير محبب، أصبح يقدم ما يريد الجمهور سماعه، ما يضعف دوره النقدي الأساسي. هذا يحيلنا إلى مفارقة وجودية عميقة حول أولئك الذين يفقدون روحهم لينالوا قبولاً اجتماعياً واسعاً.

يثور نقاش حول ما إذا كان ينبغي إطلاق لقب "مثقف" على هذه الفئة الجديدة. يرى البعض أن المثقف بطبيعته نخبوي يتطلب وقتاً للتأمل وقدرة على إنتاج معرفة أصلية، فما يفعله "مثقف العامة" مهما كان تأثيره الجماهيري يبقى في خانة التسويق الثقافي لا الإبداع النقدي الحقيقي. يؤكدون أن من يمتلك وعياً حقيقياً بحدود معرفته لا يسهل عليه إطلاق أحكام جاهزة سريعة.

في المقابل، يرى آخرون أن التقسيم الهرمي بين نخبة ومتلقين لم يعد صالحاً في عصر توزعت فيه أدوات إنتاج المعرفة. إذا كان مثقف النخبة يكتب كتاباً يقرأه خمسمئة شخص، بينما ينتج الآخر محتوى يشاهده ملايين يناقشون قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع، فإن تأثيره في تشكيل الوعي الجمعي يتجاوز الأول بكثير.

لكن ثمة معيار جوهري آخر يكمن في علاقة كل منهما بالنقد والجمهور. المثقف النخبوي بفعل تكوينه الأكاديمي لا يرى في النقد تهديداً بل فرصة لامتحان وتطوير أفكاره، يعيش في فضاء معرفي يقوم على النقاش العلمي والمنطقي. لكن مثقف العامة، بحكم طبيعة منصاته التي تحوله إلى شخصية عامة أولاً، يصبح أكثر هشاشة أمام النقد، إذ يريد جمهوره إجابات سريعة وحسماً قاطعاً في الرأي.

من الملاحظ أن مثقف العامة قد يجد نفسه معزولاً عن الحقل النقدي الجاد الذي كان يشكل شرطاً أساسياً لاستمرار المثقف في هويته الفكرية عبر التاريخ. فبينما يختبر مثقف النخبة أفكاره في معمعة النقاش مع نظرائه، يختبر الآخر شعبيته فحسب في تفاعل الجمهور، ما يشير إلى أنه قد استبدل "سلطة المعرفة" بـ"سلطة الجمهور".

إن الإشكالية ليست معركة حول تعريف فقط، بل مرآة تعكس تحولاً كلياً في مفهوم السلطة الرمزية والمعرفة ذاتها. لم تعد المعرفة طريقاً هرمياً من النخبة للعامة، بل ساحة مفتوحة يتنافس فيها الجميع، مع مخاطر حقيقية: فقدان المعايير، غياب العمق، وخضوع النقد لمنطق الشعبوية.

ربما يكون الحل في تجاوز الثنائية الاصطناعية بين "نخبوي" و"جماهيري"، والانتقال إلى معايير أكثر جوهرية تتعلق بالاستقلالية الفكرية والمنهج والقدرة على توسيع القدرات النقدية للجمهور بدلاً من منحهم إجابات جاهزة. فليست الوسيلة هي التي تحدد المثقف، بل الجرأة على التفكير بخلاف السائد والقدرة على تحويل المعرفة إلى أداة للتحرر لا للتسليط.