استطلاعات الرأي في لبنان: بين قياس الاتجاهات العامة والتأثير على المواقف
تُسبّب لي استطلاعات الرأي المنشورة عبر مجموعات واتساب الإخبارية القلق والخوف، تقول ميريام ف. لـالنهار، بعدما اطّلعت على تصويت إلكتروني نشرته إحدى الصفحات، وأظهرت نتائجه أن غالبية المشاركين يتوقعون توسّع الحرب مجدداً في لبنان.مع ذلك، ترى ميريام أن هذه النتائج تعبّر عن آراء المصوّتين، لكنها لا تشكّل استطلاعاً رسمياً ولا تعكس بالضرورة رأي اللبنانيين عموماً. وتعتقد أن هذه التصويتات قد تساعد القنوات على استكشاف مواقف الجمهور وتحديد المحتوى الذي يجذب اهتمامه ويزيد المشاهدات.في المقابل، تقول الشابة رغدة دغيلي إن نتائج استطلاعات الرأي قلّما تؤثر في قناعاتها السياسية، وخصوصاً ثوابتها الوطنية، إذ تبني مواقفها على قراءة التاريخ ومتابعة الأحداث أكثر من اعتمادها على نتائج استطلاع بعينه. لكنها لا تستبعد أن تؤثر هذه النتائج في رأيها في بعض القضايا، مثل الفساد والإدارة الداخلية للبلاد، مشيرةً إلى أن مدى تأثرها يتوقف على حياد الاستطلاع وشموله الفئة المعنية مباشرة بالموضوع المطروح.وتعكس التجربتان اختلافاً في كيفية تلقّي الأفراد استطلاعات الرأي والتفاعل مع نتائجها، إذ قد تثير هذه النتائج القلق لدى البعض، فيما تدفع آخرين إلى إعادة النظر في مواقفهم أو التشكيك فيها، وخصوصاً عندما تُظهر أن غالبية المشاركين تتبنى رأياً معيناً.ولا يتعلق الأمر بكيفية تلقّي الجمهور لهذه النتائج فحسب، بل يشمل أيضاً مدى دقة الاستطلاعات وشفافيتها، والجهات التي تقف وراء إعدادها وتمويلها، والضوابط التي تحكم نشرها. وفي هذا السياق، كيف تعامل قانون الإعلام الجديد الصادر أخيراً مع استطلاعات الرأي؟ وما الشروط التي وضعها لضمان شفافية نشرها، وتمكين الجمهور من فهم نتائجها وتقييم مدى تمثيلها للرأي العام؟بين المنهجية والتمويل: ماذا تكشف استطلاعات الرأي المنشورة؟أجريت في هذا التقرير مراجعة لعينة من استطلاعات الرأي المنشورة في لبنان خلال عامي 2025 و2026، شملت استطلاعات تناولت موضوعات سياسية وأمنية مختلفة، بينها مواقف اللبنانيين من المفاوضات والسلام مع إسرائيل، وحصر السلاح بيد الجيش، والتوقعات السياسية والأمنية للبلاد خلال عام 2026.وأظهرت مراجعة هذه الاستطلاعات تفاوتاً في مستوى الإفصاح عن منهجية كل منها والجهات المرتبطة بها. ففي حين تعلن استطلاعات حجم العينة وفترة جمع البيانات وطريقة إجراء المقابلات، لا توفّر أخرى تفاصيل كافية عن آلية اختيار المشاركين ومدى تمثيلهم للرأي العام. كذلك، أمكن في بعض الحالات تحديد الجهة المنفذة للاستطلاع أو الوسيلة الإعلامية التي نشرته، من دون العثور في المادة المنشورة على إفصاح واضح عن الجهة التي طلبته أو موّلته. فمعرفة الجهة المنفذة أو الناشرة لا تعني بالضرورة معرفة مصدر التمويل.ولا يكفي حجم العيّنة وحده للحكم على دقة النتائج أو مدى إمكان تعميمها، إذ يتوقف ذلك أيضاً على طريقة اختيار المشاركين، وتوزيع العينة، ومعدل الاستجابة، والتعديلات الإحصائية التي قد تكون أُجريت على النتائج. كذلك، فإن الإشارة إلى شمول العينة مناطق وطوائف مختلفة لا تثبت وحدها أنها تمثّل اللبنانيين، ما لم تتضح آلية اختيار المشاركين ومدى تناسب توزيعهم مع المجتمع المستهدف.وتكتسب هذه المعايير أهميةً خاصة عند التمييز بين الاستطلاعات القائمة على منهجية معلنة والتصويتات الإلكترونية المفتوحة، التي تقتصر نتائجها على الأشخاص الذين اختاروا المشاركة فيها، ولا يمكن تعميمها بالضرورة على الرأي العام. ويتضح ذلك في تصويت نشرته قناة إخبارية عبر واتساب، وسأل المشاركين عما إذا كانوا يتوقعون دخول لبنان في حرب مقبلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. وصوّت نحو 5000 شخص بـنعم، في مقابل نحو 2000 بـلا.وفي ظل القلق من تجدّد الحرب واتساع رقعتها، قد توحي هذه النتيجة للقارئ أن غالبية اللبنانيين تتوقع عودة الحرب، فيما أنها تعبّر حصراً عن مواقف المشاركين في التصويت، ولا تثبت أنها تعكس اتجاهات الرأي العام. ولم تتضمن المادة المنشورة تنبيهاً إلى أن النتائج لا تستند إلى عيّنة تتيح تمثيل اللبنانيين عموماً.ولا تعني هذه الملاحظات أن الاستطلاعات التي شملتها المراجعة تفتقر بالضرورة إلى المنهجية أو تخالف القانون، إذ قد تكون بعض التفاصيل متاحة في تقارير منفصلة. لكنها تطرح تساؤلاً أساسياً عن مدى قدرة القارئ على تقييم النتائج وفهم دلالاتها وحدودها، خصوصاً عندما يكتفي بالمادة الإعلامية المنشورة ولا يرجع إلى التقرير الأصلي.ولا يقتصر الأمر على دقة النتائج ومدى تمثيلها للرأي العام، بل يشمل أيضاً الطريقة التي يتلقّاها بها الجمهور، ومدى تأثيرها في قناعات الأفراد ومواقفهم.حين تتحول الغالبية إلى مصدر للتأثيرتوضح الإختصاصية النفسية فاطمة شريم، في حديث إلى النهار، أن الإنسان بطبيعته يميل إلى الانتماء إلى الجماعة والحصول على قبولها، لذلك قد يشعر بالقلق عندما يجد أن رأيه يخالف رأي الغالبية. وقد يدفعه ذلك إلى التشكيك في قناعاته أو التنازل عن بعضها انسجاماً مع محيطه. ولا يعني ذلك ضعفاً في الشخصية، بل إن الإنسان قد يستعين برأي المجموعة مصدراً للمعلومات، خصوصاً عندما يشعر بالحيرة أو عدم اليقين. ويظهر ذلك مثلاً عندما يخرج الطلاب من الامتحان، فيكتشف أحدهم أن إجابته تختلف عن إجابات خمسة أو ستة من زملائه، فيبدأ بالشك في إجابته، مفترضاً أن احتمال خطئهم جميعاً ضئيل.وتضيف أنه إذا كان الشخص مقتنعاً بموقف معين، ثم شاهد استطلاعاً يُظهر أن 80 أو 90 في المئة من المشاركين يؤيدون الرأي المعاكس، فقد يبدأ بالتساؤل عما إذا كان مخطئاً أو بحاجة إلى إعادة النظر في موقفه؟ ويدخل بذلك في حالة من المقارنة الاجتماعية، خصوصاً عندما تكون القضية معقدة ولا تتوافر بشأنها إجابات واضحة.لكن يجب التمييز بين اعتبار الاستطلاع معلومة عن آراء المشاركين والتعامل معه كدليل على صحة رأيهم. فإذا أظهر الاستطلاع أن 60 في المئة يؤيدون فكرة معينة، فهذا يعني أن هذه النسبة تتبناها، لا أنها صحيحة بالضرورة. فالأرقام الكبيرة قد تمنح الدماغ إحساساً بالقوة
تثير استطلاعات الرأي المنتشرة عبر وسائل التواصل والمنصات الإعلامية تساؤلات متعددة حول قيمتها الفعلية وتأثيرها على المجتمع اللبناني. فبعض المواطنين يشعرون بالقلق من نتائجها، بينما آخرون لا يسمحون لها بتغيير قناعاتهم الراسخة، الأمر الذي يعكس اختلافاً واضحاً في طريقة تلقي الجمهور لهذه الاستطلاعات والتفاعل معها.
كشفت مراجعة شاملة لعينة من الاستطلاعات المنشورة في السنوات الأخيرة عن تفاوت كبير في مستوى الإفصاح عن المنهجية المستخدمة والجهات الداعمة. بينما تعلن بعض الاستطلاعات عن حجم العينة وفترة جمع البيانات، إلا أن أخرى تفتقر إلى معلومات أساسية عن آلية اختيار المشاركين ومدى تمثيلهم للرأي العام الفعلي. والأهم من ذلك، غالباً ما تبقى جهات التمويل غامضة أو غير موضحة بشكل كاف في المادة الإعلامية المنشورة.
من الضروري التمييز بين نوعين مختلفين: الاستطلاع العلمي الذي يستند إلى عينة مختارة بدقة وفق معايير منهجية، والتصويت الإلكتروني المفتوح الذي يقتصر على من اختار المشاركة فيه. فالتصويت الذي شملته المراجعة والذي سأل عن توقعات دخول لبنان حرباً مقبلة حصل على حوالي 5000 صوت بـ"نعم" مقابل حوالي 2000 بـ"لا"، إلا أن هذه النتيجة تعبر فقط عن رأي المصوتين ولا تعكس بالضرورة اتجاه اللبنانيين عموماً.
من الناحية النفسية، يميل الإنسان بطبيعته للانتماء للجماعة والخضوع لضغط الأغلبية. فعندما يرى الفرد أن رأيه يعارض اتجاه الغالبية، قد يبدأ بالتشكيك في موقفه، خاصة عندما تكون القضية معقدة وغير واضحة. لكن يجب عدم الخلط بين الأرقام الكبيرة والصحة الفعلية، فنسبة 80 أو 90 في المئة من المشاركين قد تؤيد رأياً معيناً، لكن ذلك لا يعني أن هذا الرأي صحيح بالضرورة.
تتعدى آثار استطلاعات الرأي مسألة التأثير على قناعات الأفراد إلى توجيه الرأي العام ذاته. قد يحدث هذا من خلال اختيار الموضوعات التي يتم استطلاع الآراء بشأنها، أو صياغة الأسئلة بطريقة معينة، أو تحليل وعرض النتائج بشكل ينحاز لاتجاه محدد. وفي السياق اللبناني، تزداد هذه المخاطر في ظل التقاطع المحتمل بين مصالح الجهات المموّلة والموضوعات المختارة والنتائج المراد إبرازها.
ينبغي التعامل مع نتائج استطلاعات الرأي بحذر واعتبارها مؤشراً فقط وليس انعكاساً دقيقاً للواقع. فجميع الاستطلاعات العلمية تتضمن هامش خطأ يقدّر في الاستطلاع الجيد بنحو 2 إلى 5 في المئة، وهذا قد يؤثر بشكل فعلي على النتائج والاستنتاجات.
استجابة للحاجة المتزايدة لتنظيم هذا المجال، تضمن قانون الإعلام الجديد في لبنان ضوابط صارمة لنشر استطلاعات الرأي. ألزم القانون الجهات المعنية بالإفصاح عن الجهات المنفذة والطالبة والممولة للاستطلاع، وتفاصيل العينة وآلية اختيارها، وتاريخ التنفيذ والتقنيات المستخدمة، بالإضافة إلى هامش الخطأ وحدود تفسير النتائج.
كما اشترط القانون إرفاق النتائج التي لا تستوفي المعايير العلمية، خاصة التصويتات المفتوحة، بتنبيه واضح يوضح عدم إمكان الاعتماد عليها كمؤشر حقيقي للرأي العام. وتترتب على مخالفة هذه الأحكام غرامات تراوح بين 50 و100 ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور، الأمر الذي يعكس جدية المشرّع في حماية الجمهور من التضليل.
الهدف من هذه المتطلبات القانونية واضح: تمكين المتلقي من التمييز بين استطلاع حقيقي يقيس اتجاهات الرأي العام والتصويتات التفاعلية العابرة. غير أن فعالية هذه الضوابط تبقى مرتبطة بمدى التزام تطبيقها الفعلي وقدرة الجمهور على الوصول للمعلومات اللازمة للحكم على موثوقية أي استطلاع.