حين تُهدَّد مكة والمدينة بالصواريخ… هل مات ضمير العالم؟
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
لم يعد تصاعد التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة في المنطقة مجرد تطور عسكري عابر يمكن احتواؤه ببيان إدانة أو تصريح دبلوماسي. نحن أمام مشهد بالغ الخطورة، تتحدث تقارير عن امتداد تهديداته إلى مدن سعودية ومواقع مدنية وحيوية، من مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى الرياض والمطارات والمنشآت الاستراتيجية. وهذا يضع الأمن العربي والإسلامي أمام اختبار حقيقي، ويطرح سؤالاً يتجاوز حدود السياسة والجغرافيا: إلى متى سيظل العالم يتعامل مع تهديد المدن والمقدسات وكأنه خبر عادي؟
إن استهداف مكة المكرمة أو المدينة المنورة، أو تعريضهما لخطر الصواريخ، ليس شأناً سعودياً داخلياً فحسب؛ فهاتان المدينتان تمثلان قلب الوجدان الديني لمئات الملايين من المسلمين. وأي تهديد يطالهما يتجاوز حدود الدولة ليصيب شعور أمة بأكملها. كما أن تهديد المطارات والمنشآت المدنية لا يستهدف البنية التحتية وحدها، بل يهدد حياة المسافرين والعائلات والاقتصاد وحركة التجارة والطيران.
فهل أصبح أمن المدن العربية والمقدسات الإسلامية قضية قابلة للتأجيل حتى تقع الكارثة؟
لقد تعامل العالم مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر باعتبارها منعطفاً تاريخياً في مفهوم الأمن الدولي، وأطلق تحركات واسعة لمواجهة تنظيم القاعدة. ولسنا هنا بصدد المساواة بين أحداث مختلفة أو الدعوة إلى تكرار تجارب عسكرية مكلفة، بل نطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا لا تحظى التهديدات التي تطال المدن العربية والمقدسات والمنشآت المدنية بالجدية الدولية نفسها؟ وهل ينبغي أن يسقط عدد كبير من الضحايا حتى يتحول الخطر إلى أولوية على أجندة العالم؟
إن خطورة المشهد لا تتوقف عند الحوثيين أو حدود اليمن، بل ترتبط بأزمة أعمق تتمثل في انتشار الجماعات المسلحة التي تمتلك قدرات عسكرية خارج سلطة الدولة، وتستطيع اتخاذ قرارات تتجاوز حدودها الجغرافية. وهنا تبرز مسؤولية إيران عن علاقاتها ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة، وهي قضية تستوجب تحقيقاً دولياً جدياً في مصادر التسليح والتمويل والتدريب، ومساءلة تستند إلى الأدلة والوقائع.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة هو أن تتحول الميليشيات إلى نموذج سياسي وعسكري قابل للتكرار؛ جماعات تفرض قرار الحرب والسلم، وتضع الدول أمام تهديدات لم تخترها شعوبها، وتحوّل سيادة الدولة إلى مفهوم شكلي لا يملك القرار الأمني والعسكري.
واليمن، الذي أنهكته الحرب والانقسامات والأزمة الإنسانية، لا يستحق أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فمواجهة التهديد الحوثي لا تعني معاقبة الشعب اليمني أو تحميله مسؤولية قرارات الجماعات المسلحة، بل تعني إنهاء ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة، وإعادة بناء مؤسسات وطنية قادرة على احتكار القرار العسكري والأمني، وحماية اليمن وجيرانه.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة الدولية. فأي اضطراب في هذه المنطقة لا يهدد الدول المطلة عليها فقط، بل يمتد أثره إلى سلاسل الإمداد وأسعار الشحن والتأمين والاقتصاد العالمي. ولهذا، فإن ما يجري ليس أزمة محلية أو إقليمية محدودة، بل قضية تمس المصالح الدولية واستقرار التجارة العالمية.
لكن السؤال الأهم: ماذا ينبغي أن يفعل العرب والعالم؟
لم يعد مقبولاً الاكتفاء ببيانات الإدانة والتحذير. المطلوب موقف عربي ودولي يتجاوز ردود الفعل، ويقوم على حماية المدن والمقدسات والمنشآت المدنية، وتعزيز التعاون الأمني والدفاعي، والتحقيق في مصادر الأسلحة وشبكات التمويل، ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات غير المشروعة، والعمل على إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة.
كما أن القادة العرب مطالبون بإدراك أن الشارع العربي والإسلامي لا يقيس المواقف بعدد البيانات، بل بقدرة الحكومات على حماية المقدسات والمدنيين وصون الأمن والاستقرار. فالغضب الشعبي يتسع عندما يشعر الناس بأن التهديدات تتكرر، بينما لا ترتقي المواقف السياسية إلى مستوى خطورتها.
ومع ذلك، فإن المطلوب ليس دفع المنطقة إلى حرب مفتوحة، ولا استهداف الشعوب أو الدعوة إلى انتقام جماعي، بل بناء استراتيجية حازمة ومسؤولة تمنع تكرار الهجمات، وتواجه مصادر التهديد، وتحمي المدنيين، وتعيد الاعتبار لسيادة الدول والقانون الدولي.
إن الإدانة واجبة، لكنها ليست استراتيجية. والتحذير مهم، لكنه لا يحمي مدينة. والتضامن اللفظي لا يوقف صاروخاً ولا ينهي نفوذ جماعة مسلحة.
لقد آن الأوان لكي يدرك المجتمع الدولي أن تطبيع الخطر أخطر من الخطر نفسه؛ لأن الصاروخ الذي يُقابل اليوم ببيان بارد قد يتحول غداً إلى واقع أمني أكثر تعقيداً، وتكون كلفته أكبر مما يمكن احتماله.
مكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا ورقة في صراع إقليمي، وأمن المدن السعودية ليس شأناً هامشياً، واليمن ليس ساحة مفتوحة إلى الأبد لحسابات الآخرين.
إن العالم أمام اختبار حقيقي: إما أن يتحرك لمنع تكرار التهديدات، وحماية المقدسات والمدنيين، ووضع حد لمنطق السلاح خارج الدولة، أو ينتظر وقوع كارثة جديدة، ثم تتسابق العواصم إلى إصدار بيانات التعزية والإدانة.
فهل يتحرك العالم قبل الكارثة، أم ينتظر حتى يصبح استهداف المقدسات والمدن العربية أمراً اعتاد عليه الجميع؟
ذلك ليس سؤالاً سياسياً عابراً، بل سؤال عن مستقبل الأمن الإقليمي، ومصداقية النظام الدولي، وضمير العالم.