طوني فرنجية: من نائب في البرلمان إلى مرجعية وطنية تتقدّم على الدولة الغائبة
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في لبنان، ليس كل نائب ممثّلًا، وليس كل ممثّل مرجعية. فالمرجعيات الوطنية لا تُصنَع بالانتخابات وحدها، بل تُفرض عندما تعجز الدولة، وتنهار المؤسسات، ويتحوّل الناس إلى باحثين عن منطق، وعدالة، وحدّ أدنى من الثقة. من هذا المنظار، لم يعد ممكنًا توصيف طوني فرنجية كنائبٍ في البرلمان فقط، لأن الواقع تجاوز هذا التعريف الضيّق، وفرض توصيفًا أدقّ: مرجعية وطنية بامتياز في زمن الفراغ الكبير.
طوني فرنجية لا يتحرّك ضمن منطق “الدائرة” ولا “البيئة”، بل ضمن مفهوم الدولة الشاملة، في بلدٍ لم تعد الدولة فيه مرجعية لأحد. وحين يغيب المرجع الرسمي، تظهر مرجعيات الأمر الواقع: بعضُها مسلّح، بعضُها طائفي، وبعضُها مالي. لكن الأخطر والأندر هو أن تظهر مرجعية سياسية–أخلاقية، تملأ الفراغ بلا استقواء، وبلا استثمار في الانهيار. هنا تحديدًا، يبرز فرنجية كحالة غير قابلة للتصنيف التقليدي.
هو لا يفاوض الناس على كرامتهم، ولا يساومهم على حقوقهم، ولا يطلب الولاء مقابل الخدمة. هذه ليست شعارات، بل ممارسة يومية يعرفها كل من قصد بابه من أي منطقة لبنانية، ومن أي انتماء سياسي أو طائفي. في بلدٍ مُجزّأ نفسيًا وجغرافيًا، يصبح هذا السلوك فعلًا وطنيًا بحد ذاته، لا مجرّد “عمل إنساني”.
المرجعية الوطنية لا تعني امتلاك الحقيقة المطلقة، بل امتلاك الميزان. وطوني فرنجية يملك هذا الميزان في أكثر اللحظات اختلالًا:
ميزان الاعتدال من دون تمييع،
والوحدة من دون إنكار للتنوّع،
والسيادة من دون مزايدات،
والسياسة من دون تحريض.
هو لا يصرخ ليُسمَع، ولا يصمت ليُرضي. يتموضع حيث يجب أن تكون الدولة: بين الناس، فوق الانقسامات، وتحت سقف المصلحة العامة. وهذا ما يجعل حضوره مُقلقًا لمن بنوا نفوذهم على الفوضى، لأن المرجعيات الحقيقية لا تُدار ولا تُشترى.
الأخطر على المنظومة اللبنانية أن طوني فرنجية لا يقدّم نفسه كـ”زعيم مرحلة”، بل كـنقطة توازن. والتوازن في لبنان اليوم عملة نادرة، بل مهدِّدة. فمن اعتاد الاستثمار في الانقسام لا يحتمل من يثبت أن البلد يمكن أن يُدار بالعقل، لا بالغريزة.
عربيًا ودوليًا، حيث يُختصر لبنان غالبًا بدولة فاشلة أو ساحة نفوذ، تفرض هذه التجربة قراءة مختلفة: أن الأزمة ليست في المجتمع اللبناني، بل في طبقته السياسية. وأن البديل ليس مستحيلًا، بل موجود، لكنه لا يصرخ. وطوني فرنجية، في هذا السياق، يمثّل جسرًا بين لبنان الممكن ولبنان القائم، بين الدولة التي نريد والدولة التي فشلوا في بنائها.
إن توصيفه كنائب فقط يُجحف بحقيقته السياسية. فهو، في واقع الأمر، مرجعية وطنية ناشئة، لا تُقاس بعدد الكتل ولا بحجم الخطابات، بل بقدرتها على احتواء الناس حين تتخلّى عنهم الدولة، وعلى ضبط البوصلة حين تضيع الاتجاهات.
في زمن الانهيار الشامل، لا يُقاس القادة بما يملكون، بل بما لا يستغلّونه. وطوني فرنجية، حتى الآن، يقدّم درسًا نادرًا في السياسة: أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، وأن المرجعية لا تُعلَن… بل تُعترف بها.