من بغداد إلى بيروت: سياسة كسر الزعامات… وفشل قراءة الناس
خاص مراسل نيوز بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
السعودية، السنة، وسؤال الحريري الذي لا يُدفن
في السياسة، أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول الكبرى ليس الهزيمة، بل سوء القراءة. وسوء القراءة هنا لا يعني نقص المعلومات، بل تجاهل ما لا يُراد الاعتراف به. ما يجري اليوم في لبنان، وتحديداً على خط العلاقة السعودية – السنية، يطرح سؤالاً بالغ الخطورة:
هل قررت الرياض تجاوز الشارع السني اللبناني باسم الواقعية السياسية؟ أم أنها تعاقبه لأنها لم تعد ترى فيه شريكاً مطيعاً؟
أولاً: مفارقة التحالفات غير المنطقية
ما يُسرب عن انفتاح سعودي على نواب سنة ومسيحيين محسوبين – سياسياً أو عملياً – على حزب الله، ليس تفصيلاً عابراً، بل تحول استراتيجي مربك. فكيف يمكن لعاصمة خاضت مواجهة إقليمية مفتوحة مع الحزب، أن تلتقي انتخابياً مع حلفائه المحليين، بينما تُقصي الرجل الذي خاض معها كل معاركها في لبنان؟
هنا لا يعود السؤال: هل السعودية تغيّر أدواتها؟
بل: هل تغيّر بوصلتها؟
ثانياً: سعد الحريري… ما الذي يُعاقَب عليه؟
سعد الحريري ليس مجرد سياسي لبناني. هو:
ابن رئيس حكومة اغتيل في زلزال إقليمي غيّر وجه لبنان
الرمز الأوسع للتمثيل السني منذ 2005
الشريك الذي راهن على السعودية سياسياً ومالياً وشعبياً
فما هو ذنبه الحقيقي؟
هل لأنه اختار التسوية على الحرب الأهلية؟
أم لأنه رفض تحويل الشارع السني إلى وقود؟
أم لأنه أدرك، متأخراً ربما، أن لبنان لا يُحكم بالكسر؟
إذا كان هذا “الخطأ”، فالسؤال يصبح أكثر قسوة: هل المطلوب من القيادات السنية أن تنتحر سياسياً كي تُرضي الخارج؟
التجارب العربية – من بغداد إلى طرابلس الغرب – أثبتت حقيقة واحدة:
لا يمكن لأي دولة، مهما عظمت، أن تصنع زعامة ضد بيئتها.
الشارع السني في لبنان ليس يتيماً، وليس مادة خاماً لإعادة التشكيل. قد يختلف مع سعد الحريري، قد يغضب منه، لكنه لا يقبل أن يُفرض عليه بديل من فوق، أو من خارج وجدانه السياسي.
من يظن أن بضعة نواب، مهما تضخمت أوزانهم الإعلامية، قادرون على وراثة الحريرية السياسية، لم يفهم لبنان، ولا السنة، ولا معنى الزعامة في هذا البلد.
الخطأ الاستراتيجي الأكبر
الرهان على تفكيك الطائفة السنية لإضعاف حزب الله هو رهان انتحاري. لأن النتيجة المنطقية ليست:
إضعاف الحزب
بل
إضعاف الدولة
تفريغ الساحة السنية
وترك فراغ خطير لا يملؤه إلا التطرف أو اللامبالاة
والأخطر من ذلك، أن هذا المسار يُسقط آخر غطاء وطني عابر للطوائف، كان يمثله سعد الحريري، مهما كانت ملاحظاتنا عليه.
رسالة إلى الرياض – بصدق لا بعداء
السعودية دولة محورية، ولا مصلحة لأحد في خصومتها. لكن الصديق الحقيقي لا يُجامل في اللحظات المفصلية.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
الشارع السني لا يُدار بالهاتف
ولا يُقنع بالرسائل
ولا يقبل أن يُستبدل رمزه التاريخي بصفقات انتخابية
من يريد علاقة مستقرة مع سنة لبنان، عليه أن يفهم قاعدة بسيطة:
لبنان لا يحتاج إلى هندسة خارجية جديدة، بل إلى فهم أعمق لتوازناته الهشة. ومن يظن أن تجاوز سعد الحريري هو تجاوز لمرحلة، سيكتشف متأخراً أنه تجاوز شارعاً كاملاً.
وفي السياسة، كما في التاريخ: الشوارع التي لا تُحترم… تنتقم.