"حزب الله في مفاوضات إيران: هل يبقى الورقة الأقوى أم يُعاد تدوير دوره؟"

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

"حزب الله في مفاوضات إيران: هل يبقى الورقة الأقوى أم يُعاد تدوير دوره؟"

في قلب المفاوضات الأميركية–الإيرانية، يطفو على السطح السؤال الأكثر حساسية في الشرق الأوسط: هل يمكن لإيران أن تتخلى عن حزب الله على طاولة التفاوض؟ السؤال ليس مجرّد فرضية نظرية، بل جوهر صراع يحدد مستقبل لبنان، ومستقبل النفوذ الإيراني، وموازين القوى في المنطقة. حزب الله ليس تنظيماً مسلحاً أو حزباً سياسياً عابراً، بل هو الامتداد الاستراتيجي الأهم لطهران خارج حدودها، وذراع الردع المتقدم، وبوابة النفوذ التي تمنح إيران القدرة على الضغط وإدارة المعارك الإقليمية من دون أن تخوضها مباشرة.

الضغوط الأميركية لإدراج حزب الله ضمن أي اتفاق جديد تعبّر عن إدراك واشنطن أن الملف النووي وحده لا يكفي. فالبرنامج النووي مجرد عنوان، أما القوة الحقيقية فتتجسد في الصواريخ والوكلاء والسيطرة على الساحات اللبنانية واليمنية والعراقية والسورية. التجربة السابقة أثبتت أن تجميد النووي لا يحدّ من النفوذ الإيراني. ومن هنا، تسعى الولايات المتحدة إلى صفقة شاملة، لا تسوية محدودة تقنيًا، بهدف إعادة رسم حدود الدور الإيراني في المنطقة.

إيران، بدورها، تتصرف بمنطق براغماتي صارم. هي لا ترفض التفاوض، لكنها لا تقبل التخلي عن جوهر قوتها. أي تنازل عن حزب الله يعني فقدان الورقة الاستراتيجية الأقوى، وتفكيك شبكة النفوذ التي بنتها على مدى أربعة عقود، وفقدان القدرة على الردع أو ممارسة النفوذ في أي تسوية كبرى. لذلك، أي حديث عن “بيع” الحزب غير واقعي، لكنه لا يمنع طهران من إعادة ضبط أدوار الحزب وفق مصالحها.

السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يقوم على التخلي عن الحزب، بل على إعادة تموضعه: تقليل ظهوره العسكري العلني، ضبط تحركاته الإقليمية، تقليص تدخلاته السياسية، مع الحفاظ على قدرته على الردع. بهذا الأسلوب، تحتفظ إيران بورقة النفوذ الأقوى، بينما تمنح الغرب مساحة مؤقتة للتهدئة، وتبقي خياراتها مفتوحة للمرحلة التالية.

لبنان، في هذه المعادلة، يبقى الحلقة الأضعف. أي اتفاق أميركي–إيراني سيؤثر مباشرة على الساحة اللبنانية، سواء عبر تثبيت الجمود السياسي، أو فرض توازن جديد بين القوى، أو تجميد الصراع مع إسرائيل وفق قواعد غير معلنة. في كل الحالات، لبنان يبقى رهينة قرارات الآخرين، ويعيش بين صمت مؤقت وغياب للسيادة، بينما تتحكم القوى الإقليمية والدولية بمصيره.

الخطر الأكبر لا يكمن في التخلي عن حزب الله، بل في أن يتحول لبنان إلى ساحة مجمّدة، بلا دولة حقيقية، وبلا مشروع سياسي واضح، وبلا استقرار اقتصادي أو اجتماعي. اتفاق يُخفّض دور الحزب دون استعادة الدولة سيعني استمرار الانهيار الطويل، وتجميد أي أفق حقيقي لحل الأزمات العميقة.

إيران، كدولة تتفاوض بعقل بارد، تعرف متى تقدم تنازلاً ومتى تضع خطوطاً حمراء. حزب الله يقع في قلب هذه الخطوط، ولن يُرفع من المعادلة. قد يُعاد تنظيم دوره، قد تُخفف وتيرة حضوره، وقد يُستخدم كورقة ضغط محسوبة، لكن التخلي عنه بالكامل سيعني خسارة الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.

المفاوضات الحالية إذن لا تتعلق بما إذا كانت إيران ستتخلى عن حزب الله، بل بكيفية إدارة وجوده، وبأي مستوى من الحضور، وتحت أي قواعد اشتباك جديدة. ولبنان سيبقى رهينة هذه الحسابات ما لم يستطع استعادة قراره الوطني وبناء دولة قوية قادرة على حماية مصالحه خارج محاور النفوذ والصفقات الإقليمية.

في نهاية المطاف، ما يجري ليس مجرد تفاوض نووي، بل صراع إرادات يحدد مستقبل المنطقة، وتوازن القوى بين المحاور الكبرى، ومصير بلد كامل يعيش على خطوط تماس السياسة الدولية. أي خطوة خاطئة، أي صفقة مضمّخة بالرهانات، ستترك لبنان ساحة اختبار حقيقية… والهدوء الحالي ما هو إلا صمت البركان قبل انفجاره.