التمديد انقلاب ناعم… والدستور أوّل الضحايا

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

التمديد انقلاب ناعم… والدستور أوّل الضحايا

في لحظات الانهيار الكبرى، لا تسقط الدول فقط باقتصادها أو عملتها أو حدودها، بل تسقط أولًا حين يُمسّ العقد الذي يربط السلطة بالناس.

وفي لبنان، هذا العقد اسمه الدستور.

ما يجري اليوم ليس نقاشًا تقنيًا حول مواعيد، ولا اجتهادًا بريئًا فرضته الظروف.

ما يجري هو محاولة واعية لإعادة تعريف الديمقراطية اللبنانية على قياس منظومة تخشى الاحتكام إلى الشعب، وتبحث عن الوقت لا عن الحل.

التمديد: الاسم الحقيقي للجريمة السياسية

لنسمِّ الأشياء بأسمائها بلا مواربة:

التمديد لأي سلطة منتخبة خارج المهل الدستورية هو اعتداء مباشر على جوهر النظام الديمقراطي، مهما كانت الذرائع، ومهما تلون الخطاب.

حين يُقال إن “الانتخابات قد تُؤجَّل حفاظًا على الاستقرار”، فهذا اعتراف خطير بأن:

الاستقرار يُبنى ضد إرادة الناس

والدستور يُعامل كخيار لا كالتزام

والمحاسبة تُصنَّف خطرًا يجب تأجيله

في أي دولة تحترم نفسها، الانتخابات هي أداة الاستقرار الأولى، لا تهديدًا له.

الصدمة ليست في طرح فكرة التمديد،

بل في العقل السياسي الذي يجرؤ على تسويقها كحلّ عقلاني،

وفي اللغة التي تحاول تحويل الخرق إلى ضرورة، والانقلاب الناعم إلى إدارة حكيمة.

هذا العقل لا يسأل: كيف ننقذ الدولة؟

بل يسأل: كيف نُدير الانهيار من دون أن نخسر السلطة؟

وهنا، تسقط كل الأقنعة.

أخطر ما في الخطاب السائد اليوم هو إدخال الاستحقاق الانتخابي في ما يُسمّى “سلّة تفاهمات”:

إصلاحات، سيادة، ملفات مالية، ظروف إقليمية…

هذا المنطق بحد ذاته إلغاء لفكرة الشرعية.

فالانتخابات ليست بندًا تفاوضيًا، بل الأساس الذي تُبنى عليه كل البنود الأخرى.

التجربة اللبنانية واضحة: كل ما وُضع في “سلّة” كبرى، انتهى إمّا معطَّلًا أو منسيًا.

أما النتيجة فواحدة:

سلطة تُمدّد لنفسها،

وشعب يُطلب منه الانتظار،

ودولة تُدار بلا مساءلة.

حين يُربط مصير الاستحقاق الدستوري اللبناني بمفاوضات الخارج، أيًّا كان اسمها أو عاصمتها، فنحن أمام حقيقة لا يمكن تجميلها:

هذه ليست قراءة أيديولوجية، بل قاعدة سياسية معروفة:

الدول التي تؤجّل الانتخابات بحجة الإقليم، تتحوّل تدريجيًا إلى كيانات مُدارة لا دولًا ذات سيادة.

من يخاف الانتخابات… يخاف الحقيقة

هذه ليست شعارات، بل وقائع تاريخية:

من يثق بتمثيله، يذهب إلى الناس

من يثق بشرعيته، لا يخاف الصندوق

ومن يحكم فعلًا، لا يحتاج إلى وقت إضافي ليبرّر نفسه

التمديد لا يحمي الدولة.

التمديد يحمي منظومة تعرف أن ميزان القوى الحقيقي ليس في المؤسسات، بل في الشارع وفي الوعي.

الأخطر من أي قرار، هو تحويله إلى أمر عادي.

أن يصبح خرق الدستور “وجهة نظر”،

وتعليق الديمقراطية “نقاشًا سياسيًا”،

وتأجيل الناس “حلًا مرحليًا”.

هنا، يصبح الصمت شراكة،

ويتحوّل التبرير إلى خيانة سياسية موصوفة بحق فكرة الدولة.

لبنان لا يُنقَذ بتأجيل شعبه.

ولا يُدار بمنطق الوصاية المقنّعة.

ولا يُبنى على خوف السلطة من الناس.

قد ينجحون في تمرير التمديد.

قد تُعقد الصفقات.

قد يُستهلك الوقت.

لكن الحقيقة التي لا تسقط هي هذه:

الدساتير قد تُخرق،

لكن الشرعية لا تُستعار،

والشعوب قد تُرهَق…

لكنها لا تُلغى.