فؤاد السنيورة ليس كبش فداء: حين يُحاسَب رجل الدولة بدل مافيا الاحتيال السياسي
خاص مراسل نيوز
في لحظات الاضطراب الكبرى، تختلط الحقيقة بالضجيج، ويُستدرج الرأي العام إلى محاكمات مسبقة، غالبًا ما تطاول أولئك الذين وقفوا في الصف الأصعب: صف الدولة. ما يتعرّض له الرئيس فؤاد السنيورة اليوم ليس استثناءً في تاريخ لبنان، بل تكرار لقاعدة مؤلمة مفادها أن رجل الدولة يُستهدف حين تشتد العواصف، لا لأنه أخطأ، بل لأنه لم يساوم.
السنيورة ليس اسمًا عابرًا في الحياة السياسية اللبنانية. هو رجل دولة ارتبط اسمه بمحطات مفصلية، في مقدّمها إدارة واحدة من أخطر المراحل التي مرّ بها لبنان، سياسيًا وأمنيًا وماليًا. وهو الرجل الذي كان في صلب القرار اللبناني خلال حرب تموز 2006، وارتبط اسمه بقرار مجلس الأمن 1701، الذي شكّل حينها مظلة دولية لوقف الحرب وحماية ما تبقّى من سيادة لبنان، في ظرف لم يكن فيه ترف الخيارات متاحًا.
اليوم، وفي خضم قضية “الأمير الوهمي”، تُرفع الأصوات سريعًا، وتُطلق الأحكام قبل أن يقول القضاء كلمته. هنا، لا بد من التمييز بين المساءلة المشروعة، التي هي حق وواجب، وبين الاستثمار السياسي في الشبهة. حضور السنيورة إلى قصر العدل، بصفته القانونية، ليس إدانة، بل دليل احترام للمؤسسات، وثقة بالقضاء، والتزام بمبدأ أن لا أحد فوق المساءلة، ولا أحد دون حماية القانون.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح بجرأة:
هل يُهاجَم فؤاد السنيورة لأنه كان جزءًا من عملية احتيال؟ أم لأنه كان، في الواقع، هدفًا لمحاولة احتيال سياسية فشلت في اختراق موقفه، فانتقل أصحابها إلى ساحة التشكيك والتشويه؟
التاريخ القريب يقدّم إجابة واضحة. السنيورة كان دائمًا في موقع الدفاع عن الدولة، عن المؤسسات، وعن فكرة السيادة، في بلد اعتاد أن تُدار فيه السياسة بمنطق الصفقات لا القواعد. لم يكن يومًا رجل شعارات، بل رجل قرارات صعبة، غالبًا ما دفعت ثمنها سمعته، لا رصيده الوطني.
من الإنصاف، بل من الواجب الأخلاقي والسياسي، أن نقف مع الرجل لا ضده، إلى أن يقول القضاء كلمته. فالعدالة لا تُبنى على الانطباعات، ولا على الحملات، ولا على الخلط المتعمّد بين التحقيق والتجريم. من يطالب بدولة قانون، لا يمكنه أن يهدم هذه الدولة عند أول اختبار.
الهجوم على السنيورة اليوم يكشف أزمة أعمق: أزمة بلد يفتقر إلى ذاكرة سياسية عادلة، ويُسرع في استهلاك رجاله بدل تقييم أدوارهم بميزان التاريخ. فؤاد السنيورة ليس معصومًا من النقد، لكنه أيضًا ليس رجل الصفقات المشبوهة، ولا واجهة لوهم سياسي عابر. هو رجل واجه ما واجه، ودفع ما دفع، وبقي واقفًا في خندق الدولة حين كان الانسحاب أسهل.
في زمن الاحتيال السياسي، يصبح الدفاع عن رجل دولة فعل مقاومة أخلاقية. لا لأننا نقدّس الأشخاص، بل لأننا نرفض اغتيال المعنى. ومن أنصف أن نقف مع السنيورة اليوم، لا ضد المساءلة، بل مع العدالة، ومع الدولة، ومع فكرة أن السيادة لا تُدار بالأوهام، ولا تُقاس بالشائعات.