حين يُؤجَّل الغضب: هل يحتفظ حزب الله بالشارع كورقة ضغط؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

حين يُؤجَّل الغضب: هل يحتفظ  حزب الله  بالشارع كورقة ضغط؟

في السياسة، ليست كل عبارة تُقال أمام الجمهور مجرد كلام، وليست كل إشارة إلى الغضب تعبيراً عابراً عن مشاعر الناس. أحياناً تكون الكلمات نفسها جزءاً من إدارة الصراع، وتصبح طريقة توصيف الغضب وتوقيت الحديث عنه أهم من الغضب ذاته. من هنا، تبدو دعوة الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم جمهوره إلى «اختزان» غضبه والاستعداد لاستخدامه في الوقت المناسب أكثر من مجرد محاولة لامتصاص الاحتقان الشعبي؛ فهي تفتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع تتعلق بموقع الشارع في الحسابات المقبلة للحزب، وبما إذا كان هذا الشارع سيبقى مجرد بيئة شعبية غاضبة، أم يتحول عند لحظة معينة إلى أداة ضغط سياسية.

المسألة هنا لا تتعلق بإثبات أن «حزب الله» اتخذ قراراً بالنزول إلى الشارع، إذ إن المعطيات الواردة لا تكفي للجزم بذلك، بل تتعلق بفهم الرسالة التي يحملها الخطاب. فالقول إن «للغضب وقتاً» يعني، في أبسط قراءة سياسية، أن التعبير عن هذا الغضب ليس مطلوباً الآن، لكنه أيضاً ليس مستبعداً لاحقاً. وهذا فارق جوهري بين غضب يجري احتواؤه وغضب يجري الاحتفاظ به كخيار قابل للتوظيف عندما تتغير الظروف.

لا شك أن البيئة الجنوبية، التي تعرضت للحرب والنزوح والدمار والخسائر، تملك أسباباً حقيقية للغضب والألم. لكن وجود الغضب لا يعني بالضرورة وجود حركة شعبية واسعة، فالشارع لا يتحرك بالعاطفة وحدها. يحتاج إلى قيادة، وهدف واضح، وإحساس مشترك بالتهديد، وثقة بأن التحرك يمكن أن يحقق نتيجة. ولذلك فإن السؤال الاستراتيجي ليس ما إذا كان جمهور «حزب الله» غاضباً؛ فهذا أمر يمكن فهمه في سياق الظروف التي يعيشها، وإنما السؤال هو: من يستطيع تحويل هذا الغضب إلى فعل سياسي، ومتى، وفي مواجهة من، ولأي غاية؟

وهنا تكمن أهمية خطاب قاسم. فهو لا يعلن عن تحرك وشيك، لكنه لا يغلق الباب أمامه أيضاً. وهذه المنطقة الرمادية في السياسة ليست فراغاً، بل قد تكون مساحة للمناورة والضغط والردع. فالقيادة السياسية لا تحتاج دائماً إلى استخدام الشارع حتى تجعل الآخرين يحسبون حسابه؛ يكفي أحياناً أن يعرف الخصوم أن الشارع موجود، وأن القدرة على تحريكه يمكن أن تصبح متاحة إذا وصلت الأزمة إلى نقطة معينة. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الخطاب بوصفه رسالة مزدوجة: رسالة إلى الجمهور بأن قيادته تدرك غضبه ولن تتجاهله، ورسالة إلى الخارج والخصوم بأن لهذا الغضب سقفاً، وأن استمرار الاحتقان قد يفتح خيارات أخرى.

لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى: إذا تحرك الشارع، في وجه من سيتحرك؟ هنا تبدأ السياسة الحقيقية. فالغضب الشعبي لا يكتسب معنى استراتيجياً إلا عندما يتحدد اتجاهه وهدفه. هل سيكون موجهاً ضد الدولة؟ أم ضد خصوم الحزب؟ أم ضد إسرائيل؟ أم ضد منظومة سياسية كاملة يُحمّلها الجمهور مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع؟ إن تحديد وجهة الغضب أهم من إثبات وجوده، لأن الشارع عندما يتحول إلى أداة ضغط يحتاج إلى عنوان سياسي واضح، وإلا فقد يتحول من قوة ضغط إلى عنصر إضافي في الفوضى.

وهنا لا يمكن تجاهل المفارقة اللبنانية الكبرى. الجنوب يعيش واحدة من أصعب مراحله، وأهله يتحملون أثماناً ثقيلة للحرب والدمار والنزوح. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تحويل الألم إلى وقود لمواجهة سياسية جديدة أمراً بالغ الخطورة. فالناس الذين فقدوا منازلهم ومصالحهم لا يحتاجون فقط إلى من يصف غضبهم، بل إلى دولة قادرة على حمايتهم، وإعادة إعمار ما تهدم، وتأمين عودتهم، ومعالجة أسباب المأساة ومنع تكرارها.

ومن الخطأ في الوقت نفسه اختزال المسؤولية في طرف واحد. الدولة اللبنانية تتحمل مسؤولية أساسية في حماية مواطنيها وإدارة نتائج الحرب ومعالجة تداعياتها، لكن ذلك لا يلغي السؤال السياسي المتعلق بالخيارات التي قادت إلى الحرب، ولا يعفي أي طرف يمتلك قراراً سياسياً أو عسكرياً من تحمل مسؤوليته أمام جمهوره وأمام الدولة والمجتمع. فالمشكلة الأعمق ليست فقط في نتائج الحرب، وإنما في أزمة القرار الوطني التي تسمح بتعدد مراكز القوة والقرار، ثم تجعل الدولة مطالبة بتحمل نتائج خيارات لا تملك وحدها القدرة على التحكم بها.

ومن هنا، فإن محاولة نقل النقاش من سؤال المسؤولية إلى سؤال الشارع قد تكون، بحد ذاتها، جزءاً من المعركة السياسية. فالشارع يمكن أن يكون وسيلة ضغط، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد بناء الدولة. والتعبئة الشعبية قد تفرض واقعاً تفاوضياً، لكنها لا تعيد منزلاً إلى صاحبه، ولا تعالج اقتصاداً منهكاً، ولا تضع حداً لدورة الصراع. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي غضب شعبي لا تقاس بقدرته على الانفجار، وإنما بقدرته على التحول إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

وهنا تحديداً ينبغي التمييز بين غضب يصنع تغييراً وغضب يعيد إنتاج الأزمة. إذا تحول غضب الجنوب إلى قوة ضغط من أجل تعزيز الدولة، وترسيخ السيادة، وتوحيد القرار، وحماية الأرض، وإعادة بناء المؤسسات، فقد يصبح الألم مدخلاً لمراجعة وطنية طال انتظارها. أما إذا جرى توظيف هذا الغضب لإعادة إنتاج الاصطفافات نفسها، وتحويل الشارع إلى أداة مواجهة جديدة، فإن النتيجة قد لا تكون سوى إعادة تدوير للأزمة تحت عناوين مختلفة.

لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحث السياسي والاستراتيجي ليس: هل يستطيع «حزب الله» تحريك جمهوره؟ بل: ما الذي يريد تحقيقه إذا حرّكه؟ وما الذي سيأتي بعد الشارع؟ وهل يمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً يحول التعبئة إلى تسوية، أم أن الشارع سيكون مجرد وسيلة لرفع سقف التفاوض والضغط في لحظة سياسية حرجة؟

حتى الآن، لا تبدو المعطيات الواردة في المقالة كافية للقول إن قرار تحريك الشارع قد اتُخذ، لكنها في المقابل تشير إلى أن خيار الشارع لم يُغلق. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية. فحين يقال للجمهور إن غضبه يجب أن يُختزن، وإن له وقتاً يمكن أن ينفجر فيه، فإن الرسالة لا تتحدث فقط عن الحاضر، بل تترك للحظة المقبلة هامشاً مفتوحاً. وفي السياسة، مجرد إبقاء خيار ما على الطاولة يمكن أن يكون جزءاً من استخدامه قبل أن يتحول إلى فعل.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً بالغ الحساسية لكل الأطراف. فإذا استطاعت القوى السياسية أن تحول غضب الناس إلى مراجعة وطنية مسؤولة، فقد يكون الجنوب، رغم مأساته، نقطة بداية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح والقرار والسيادة. أما إذا استُخدم الألم لإعادة شحن الشارع واستعادة الاصطفافات القديمة، فقد نجد أنفسنا أمام دورة جديدة من الصراع، يكون فيها الشارع امتداداً للحرب بوسائل سياسية واجتماعية مختلف

في النهاية، القوة الحقيقية لأي قيادة لا تكمن في قدرتها على إشعال الشارع، بل في قدرتها على منع الغضب من التحول إلى انفجار، وتحويله إلى مسار سياسي يفتح باب الحل بدلاً من إعادة إنتاج الأزمة. وهذه، في تقديري، هي اللحظة التي يجب أن يُقرأ فيها خطاب نعيم قاسم: ليس بوصفه إعلاناً عن انفجار وشيك، ولا بوصفه مجرد تنفيس لغضب جمهور، وإنما باعتباره إشارة إلى أن الشارع ما زال خياراً سياسياً مفتوحاً، وأن طريقة استخدام هذا الخيار ستكون واحدة من أهم مؤشرات المرحلة اللبنانية المقبلة.