إما دولة واحدة… أو نهاية لبنان الذي نعرفه”
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لبنان لا يقف اليوم على حافة حرب فقط، بل على حافة تعريف جديد لنفسه. ما حدث ليس تصعيداً عسكرياً عادياً، بل لحظة كاشفة سقطت فيها كل الأقنعة: سقط وهم الضبط، سقطت نظرية “إدارة الاشتباك”، وسقطت معادلة التعايش المريح بين دولة تعلن السيادة وواقع يتقاسمها القرار.
عندما يُتخذ قرار بحجم الحرب خارج إجماع وطني واضح، فنحن لا نكون أمام حدث أمني بل أمام أزمة حكم. السؤال لم يعد: من بدأ؟ ولا من ردّ؟ بل من يملك حق تقرير مصير بلد بكامله؟ هذه ليست مسألة سياسية ظرفية، بل مسألة سيادة خالصة. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب، لا تحتكر مصيرها.
قرار مجلس الوزراء بوضع أي نشاط عسكري خارج إطار الشرعية تحت طائلة القانون، إن طُبّق فعلاً، هو أخطر تطور سياسي منذ سنوات. لأنه يضرب في صلب الازدواجية التي عاش عليها لبنان: سلاحان، قراران، وسرديتان داخل حدود واحدة. لكن الكلمات وحدها لا تبني دولة. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول البيانات إلى أفعال، وعندما يصبح احتكار السلاح واقعاً لا شعاراً.
في المقابل، إسرائيل لا تخوض معركة حدودية، بل معركة كسر بنية كاملة. توسيع بنك الأهداف ليشمل المؤسسات والشبكات المالية يعني أن الحرب انتقلت من ضرب مواقع إلى ضرب منظومة. وهنا يكمن الخطر الأكبر: إذا لم تفصل الدولة نفسها بوضوح عن أي كيان عسكري موازٍ، فسيُنظر إلى لبنان كوحدة واحدة في بنك الاستهداف.
الرهان على المظلة الدولية قد يوفّر وقتاً، لكنه لا يصنع قراراً سيادياً. الخارج يستطيع أن يضغط، أن يرعى، أن يسهّل. لكنه لا يستطيع أن يحسم مكان اللبنانيين. التاريخ واضح: لا دولة تقوم بنصف سيادة، ولا نظام يستقر بازدواجية دائمة في القوة.
لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما. إما أن يحوّل هذه الصدمة إلى لحظة تأسيس تعيد للدولة قرارها الكامل، وإما أن يدخل مرحلة استنزاف طويلة تُدار فيها الحرب فوق أرضه فيما هو يتجادل تحتها. لم يعد السؤال إن كان سيدفع الثمن، بل إن كان سيستثمره لبناء دولة حقيقية.
هذه ليست لحظة رمادية. إنها لحظة حسم.
إما دولة واحدة بقرار واحد…
أو كيان يتآكل حتى يفقد اسمه.