عون وبري أبعدا شبح الحرب عن لبنان… فهل يترك عراقجي لبنان وشأنه؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد

عون وبري أبعدا شبح الحرب عن لبنان… فهل يترك عراقجي لبنان وشأنه؟

في واحدة من أخطر اللحظات التي مرّ بها لبنان في السنوات الأخيرة، حين كانت المنطقة على حافة انفجار واسع، وحين بدا أن شرارة صغيرة كفيلة بإشعال حرب مدمّرة، استطاع لبنان أن يُبعد شبح الحرب عنه، ولو مؤقتاً. هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة إدارة سياسية دقيقة ومسؤولة قادها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، في لحظة كان فيها الخطأ مكلفاً إلى حدّ الكارثة.

ما تحقق لم يكن انتصاراً سياسياً لفريق على آخر، بل نجاحاً في منع الأسوأ، وحماية بلدٍ منهك لم يعد يحتمل حرباً جديدة.

في مقابل تصعيد إسرائيلي متدرّج، وضغوط إقليمية متشابكة، كان لبنان أمام خيارين:

إما الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يملك مقوّماتها، أو إدارة الأزمة بعقل بارد ومسؤولية وطنية.

اختار الرئيس عون مقاربة الدولة والمؤسسة، فثبّت دور الجيش كضامن للاستقرار لا كطرف في صراع داخلي، وحمى ما تبقّى من تماسك مؤسساتي.

وفي الوقت نفسه، لعب الرئيس بري دور صمّام الأمان السياسي، مستفيداً من خبرته الطويلة في إدارة التوازنات الدقيقة، مانعاً تفجّر الانقسام الداخلي الذي لطالما شكّل المدخل الأخطر لأي حرب على لبنان.

هذا التكامل بين الرئاستين لم يكن شكلياً، بل عاملاً حاسماً في تبريد لحظة كانت قابلة للاشتعال.

تعتمد إسرائيل في حساباتها تجاه لبنان على فرضية ثابتة: أن الانقسام الداخلي هو بوابة الحرب الأسهل.

لكن في هذه المحطة، اصطدمت هذه الفرضية بجدار مختلف:

تراجع منسوب التصعيد لم يكن نتيجة تراجع النيات، بل نتيجة غياب الظروف السياسية التي تسمح بالحرب.

في منطق الدول، لا تُقاس النجاحات دائماً بما يتحقق، بل أحياناً بما يُمنَع

وما مُنع هنا هو الانزلاق إلى مواجهة شاملة كانت ستدفع ثمنها الدولة والمجتمع معاً.

رسالة واضحة إلى عباس عراقجي

في هذا السياق، تبرز تساؤلات مشروعة حول توقيت ودلالات زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت.

لبنان، في هذه المرحلة الحساسة، لا يحتاج إلى رسائل إقليمية، ولا إلى تثبيت مواقف تزيد من تعقيد وضعه الداخلي.

من مصلحة إيران، قبل غيرها، أن ينشغل مسؤولوها بما يجري داخل حدودهم، حيث تشهد البلاد احتجاجات شعبية واسعة وتحديات داخلية كبيرة، بدل الانخراط في مسارات قد تعيد إشعال التوتر في بلدٍ منهك لا يحتمل مزيداً من الضغوط.

لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا صندوق بريد لصراعات الآخرين.

وتركه وشأنه اليوم هو الخيار الأكثر حكمة ومسؤولية، للبنان وللاستقرار الإقليمي على حدّ سواء.

ما جرى في لبنان يجب أن يُقرأ جيداً في العواصم الكبرى.

فهناك دولة تحاول، رغم ضعفها وأزماتها، أن تحمي نفسها من الانهيار الكامل. وأي تساهل مع التصعيد، أو تجاهل للجهود الداخلية المبذولة، لن يؤدي إلا إلى إعادة فتح أبواب الفوضى في منطقة لا تحتمل مزيداً من الاشتعال.

نجح الرئيس جوزاف عون والرئيس نبيه بري في إبعاد شبح الحرب عن لبنان في لحظة كان فيها قريباً أكثر من أي وقت مضى.

هذا النجاح لا يعني أن الخطر انتهى، لكنه يؤكد حقيقة أساسية:

حين يتماسك الداخل، تتراجع فرص الحرب، حتى في أكثر البيئات الإقليمية توتراً.

لبنان ربح وقتاً ثميناً.

والوقت، في هذه المرحلة، ليس تفصيلاً… بل فرصة أخيرة لإنقاذ وطن.