السعودية والخليج: لم يعد الرد التقليدي كافيًا

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

السعودية والخليج: لم يعد الرد التقليدي كافيًا

البحر الأحمر يدخل مرحلة جديدة من معادلة الردع

هناك لحظات لا يكفي فيها أن تدير الدول الخطر؛ بل يصبح عليها أن تعيد تعريف الطريقة التي يُدار بها الخطر.

وهذا تحديدًا ما تفرضه التطورات المتداولة حول البحر الأحمر.

فبحسب التصريحات اليمنية التي نقلتها المادة، لم يعد الحديث مقتصرًا على تهديد السفن، بل يمتد إلى اتهامات بامتلاك الحوثيين قدرات إيرانية متقدمة يمكن أن ترفع مستوى المخاطر على الطيران المدني.

وإذا ثبتت هذه المعطيات، فنحن أمام تحول يتجاوز حدود اليمن.

لأن من يوسّع دائرة التهديد من البحر إلى الجو، يوسّع معها دائرة الصراع من ساحة إقليمية إلى ممرات دولية.

وهنا تقع السعودية ودول الخليج أمام مسؤولية استراتيجية مختلفة.

لم يعد كافيًا انتظار التصعيد ثم إصدار التحذيرات.

ولم يعد كافيًا التعامل مع كل حادثة باعتبارها أزمة منفصلة.

المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة ميزان الردع.

السعودية، بحكم موقعها وثقلها السياسي والجغرافي، ليست هامشًا في معادلة البحر الأحمر. وأمن هذا الممر يرتبط مباشرة بأمنها، وباستقرار اليمن، وبحركة التجارة والطاقة، وبسلامة الملاحة الدولية.

لذلك فإن أي محاولة لتحويل البحر الأحمر إلى مساحة ضغط دائمة يجب ألا تُقرأ كحادث أمني عابر.

إنها مسألة تتعلق بمن يحدد قواعد الحركة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

أما إيران، فإن دورها في دعم الحوثيين وقدراتهم العسكرية يجب أن يُناقش وفق الأدلة المتاحة، لا وفق الاستنتاجات السياسية وحدها. والمادة التي بين أيدينا لا تكفي لإثبات كل التفاصيل التقنية أو العملياتية الواردة في الاتهامات.

لكنها تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله:

ماذا يحدث إذا أصبحت القدرات العسكرية في اليمن جزءًا من منظومة ضغط إقليمية تمتد آثارها إلى الملاحة والطيران والاقتصاد الدولي؟

هنا تحديدًا لا ينبغي أن يكون الخيار الخليجي بين الحرب والاستسلام.

هناك مساحة أوسع بكثير:

ردع متكامل.

ردع أمني، وعسكري، واقتصادي، ودبلوماسي؛ وتنسيق خليجي أكثر صلابة؛ وحماية للممرات الدولية؛ ورسالة سياسية واضحة بأن أمن المدنيين والملاحة ليسا مجالًا مفتوحًا للمساومات الإقليمية.

فالردع الحقيقي لا يعني أن تستخدم الدولة قوتها في كل مرة.

بل يعني أن تجعل احتمال استخدامها محسوبًا بدقة في حسابات الطرف الآخر.

وهذه هي النقلة التي تحتاجها المنطقة: ألا تنتظر السعودية ودول الخليج وصول التهديد إلى ذروته حتى تبدأ في بناء الاستجابة، بل أن تعمل قبل ذلك على تغيير الحسابات التي تسمح بالتصعيد أصلًا.

لقد كان الصبر الخليجي خيارًا استراتيجيًا لمنح الدبلوماسية فرصة.

لكن هناك فارقًا بين الصبر الذي يخدم السلام، والصبر الذي يتيح للآخرين اختبار حدود الأمن الخليجي مرة بعد أخرى.

ولهذا فإن الرسالة الأكثر أهمية اليوم ليست رسالة حرب.

إنها رسالة وضوح وردع:

السعودية والخليج لا يبحثان عن مواجهة، لكنهما لن يقبلا بأن تتحول الرغبة في الاستقرار إلى ثغرة تستغلها القوى الإقليمية لتوسيع نفوذها ورفع كلفة الأمن على المنطقة والعالم.

البحر الأحمر ليس ملكًا لطرف.

وممراته ليست رهينة للصراع.

وأمن الخليج ليس مساحة لاختبار الصبر.

لقد انتهى زمن إدارة الخطر بالانتظار.

والمرحلة المقبلة تحتاج إلى استراتيجية تجعل الخطر نفسه يعيد حساباته قبل أن يصل.

وهنا تحديدًا يبدأ الردع الحقيقي:

ليس عندما يُطلق الصاروخ…

بل عندما يعرف من يفكر بإطلاقه أن قواعد اللعبة قد تغيرت.