حين التقى الاستبداد بالميليشيا: مادورو… الوجه البعيد لمحور إيران وحزب الله

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

حين التقى الاستبداد بالميليشيا: مادورو… الوجه البعيد لمحور إيران وحزب الله

لم يكن نيكولاس مادورو مجرّد رئيس معزول في أميركا اللاتينية، ولا كانت فنزويلا بلداً هامشياً في الجغرافيا السياسية العالمية، بل تحوّلت في عهده إلى العقدة الأخيرة في شبكة عابرة للقارات جمعت الاستبداد بالميليشيا، والدولة الفاشلة بالمشروع الأمني الإيراني، في واحدة من أخطر صيغ التحالفات التي شهدها النظام الدولي المعاصر. ما جرى في كراكاس لم يكن شأناً داخلياً، بل جزءاً من منظومة ظلّ دولية قادتها طهران، ونفّذها حزب الله، ووفّر لها مادورو الغطاء والسيادة المزوّرة.

تحت شعارات مناهضة الإمبريالية ومقاومة الهيمنة الغربية، نشأ تحالف لا علاقة له لا بالمقاومة ولا بالتحرّر، بل بإدارة الفوضى وتصديرها. فنزويلا مادورو لم تكن حليفاً سياسياً لإيران، بل خزنة أموال، وممرّ تهريب، ومنصّة عمليات بعيدة عن الأضواء. هناك، حيث الرقابة ضعيفة والعزلة خانقة، وجدت طهران وحزب الله البيئة المثالية لإعادة إنتاج نموذج السيطرة الذي دمّر دول الشرق الأوسط، ولكن هذه المرّة خارج منطق القضايا، وبعيداً عن أي غطاء أخلاقي.

في كراكاس، سقط آخر قناع. لم يعد حزب الله تنظيماً يدّعي مقاومة الاحتلال، بل شبكة مالية وأمنية متكاملة تعمل في غسيل الأموال، والتهريب، وتدوير اقتصاد الجريمة. ولم تعد إيران دولة تواجه خصوماً، بل مركز إدارة لأنظمة تقمع شعوبها وتحتاج إلى الحماية مقابل فتح أراضيها ومؤسساتها أمام مشروع ظلّ عالمي. أما مادورو، فكان الشريك الأمثل: رئيس بلا شرعية، دولة بلا مؤسسات، وشعب يدفع ثمن تحالف لا ناقة له فيه ولا جمل.

هذا التحالف لم يدمّر فنزويلا فقط، بل كشف جوهر ما يُسمّى بمحور المقاومة. فالمشروع الذي قدّم نفسه لعقود بوصفه نصيراً للمستضعفين، انتهى حليفاً لديكتاتور يجوّع شعبه، ويعتقل معارضيه، ويحوّل بلاده إلى منصة للجريمة العابرة للحدود. هنا لم تعد المسألة مواجهة بين معسكرين عالميين، بل سؤالاً أخلاقياً وسياسياً بسيطاً: كيف يمكن لمشروع يدّعي التحرير أن لا يعيش إلا في كنف الأنظمة الأكثر قمعاً وفشلاً؟

سقوط مادورو، أو انكشافه، لا يُقرأ كحدث لاتيني، بل كضربة في صميم منظومة قامت على تصدير الفوضى وربط مصير الشعوب بسلاح خارج الدولة. فهو المعقل الأخير الذي حاول محور إيران وحزب الله الاحتماء به بعيداً عن الشرق الأوسط، وحين اهتزّ، انكشف المشروع كله على حقيقته: شبكة بقاء للأنظمة، لا حركة مقاومة للشعوب.

ما نراه اليوم ليس مؤامرة على محور، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من القتل والاعتقال والتهجير وعداء الجيران، ومسار حوّل “المقاومة” إلى ذريعة دائمة لإلغاء الدولة والمجتمع معاً. فالمشاريع التي تعيش على العنف، وتبرّر القمع، وتستثمر في الخراب، قد تطيل عمرها، لكنها لا تملك مستقبلاً.

مادورو لم يكن استثناءً، بل مرآة. وفي تلك المرآة، رأى العالم أخيراً ما هو هذا المحور فعلاً: ليس جبهة تحرّر، بل منظومة شرّ عابرة للحدود، لا تسقط حين تُهزم عسكرياً، بل حين تُكشف أمام الرأي العام العالمي بلا أقنعة ولا شعارات.