استعادة الذهب اللبناني من الخارج: إمكانيات قانونية وتحديات عملية
ماذا لو قرر لبنان استعادة ذهبه المودع في الخارج وإعادته إلى خزائن مصرف لبنان؟ هل يمكنه فعل ذلك أو ثمة شروط وعقبات؟ السؤال على خلفية التخوف من دعاوى قضائية محتملة في الخارج بسبب الالتزامات المالية للدولة، وما قد تثيره من مخاطر على الأصول اللبنانية.يمتلك لبنان نحو 286.8 طناً من الذهب، ليحتل المرتبة الثانية عربياً بعد المملكة العربية السعودية. ويبلغ الذهب الإجمالي المخزن في الخارج نحو 96 طناً، أي ما يعادل قرابة 3.7 ملايين أونصة، وهو محفوظ في نيويورك لدى الاحتياطي الفيديرالي الأميركي. أما الذهب الموجود داخل لبنان، فيبلغ نحو 191 طنا، أي ما يعادل قرابة 5.5 ملايين أونصة، وهو مخزن في مصرف لبنان.ولا تعدّ استعادة الذهب من الخارج سابقة دولية. فقد استعادت ألمانيا نحو 300 طن من نيويورك بين عامي 2013 و2017، كما أعادت دول أوروبية أخرى، بينها هولندا والمجر وبولندا، أجزاء من احتياطاتها.الاستعادة ممكنةيرى الباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين أن الاستعادة ممكنة من حيث المبدأ، قانونا وتقنيا، لكنها تستلزم إجراءات دقيقة وكلفة لوجيستية، من دون أن تؤدي بذاتها إلى ضخ سيولة جديدة في الاقتصاد. لكنه يلفت إلى ضرورة التمييز بين نقل الذهب إلى لبنان والتصرف به أو بيعه أو رهنه.ويشير إلى القانون الرقم 42 الصادر عام 1986، الذي يمنع التصرف بالذهب أو إجراء عمليات عليه من دون موافقة إجماعية من مجلس النواب. إلا أن تحديد ما إذا كان نقل الذهب من الخارج إلى لبنان يخضع لهذا القيد أو يستلزم موافقة نيابية مسبقة، يحتاج إلى تفسير قانوني واضح، لأن تغيير مكان التخزين لا يعني بالضرورة التصرف بالأصل. وتاليا، يتطلب أي تحرك تحديد صلاحيات مصرف لبنان والإجراءات التي ينبغي اتباعها، منعا لنشوء نزاعات قانونية أو التباسات في شأن إدارة الاحتياط.كلفة النقل ومستلزماتهلا يمكن التعامل مع نقل نحو 96 طنا من الذهب بوصفه إجراء إدارياً بسيطاً. فالعملية وفق ناصر الدين تستدعي التنسيق مع الجهات التي تحتفظ بالذهب، والتحقق من الكميات والمواصفات، واستكمال الفحص والتوثيق، فضلا عن توفير وسائل النقل والحماية والتغطية التأمينية.ويشير إلى أن هذه الترتيبات تستلزم وقتا وتكاليف فعلية، ولا يمكن تحديد مدتها أو كلفتها قبل معرفة شروط التسليم والإجراءات المطلوبة. لذلك، فإن إمكان الاستعادة لا يعني أن تنفيذها فوري، بل يتطلب تخطيطا مسبقا وضمانات تحمي الاحتياط خلال النقل وبعد وصوله.هل نقل الذهب يعالج الأزمة؟اقتصاديا، يشدد ناصر الدين على أن إعادة الذهب إلى لبنان لا توفر سيولة إضافية، لأن الاحتياط مسجل أصلا ضمن موجودات مصرف لبنان، سواء أكان مخزنا في الداخل أم في الخارج. وتاليا، فإن تغيير مكانه لا يزيد قيمة الموجودات ولا يضخ أموالا جديدة في السوق، ولا يحل أزمة الودائع أو يعيد الثقة إلى النظام المصرفي تلقائيا. وقد تكون للاستعادة اعتبارات تتصل بإدارة الاحتياط أو السيطرة المباشرة عليه أو الحد من مخاطر قانونية محتملة، لكن تحديد هذه الأهداف يحتاج إلى توضيح رسمي من مصرف لبنان، مع بيان النتائج المرجوة والكلفة المترتبة على العملية.وفي المقابل، يبرز نقاش آخر يتعلق بملكية الذهب، إذ يطرح ناصر الدين تساؤلات عن مساهمة الدولة اللبنانية ومصرف لبنان في تمويل شراء أجزاء من الاحتياط، ولا سيما في عهد الرئيس الراحل إلياس سركيس.غير أن تحديد الجهة التي ساهمت في التمويل لا يكفي وحده لحسم الملكية القانونية، بل يتطلب الرجوع إلى السجلات المالية والوثائق التي توضح كيفية شراء الذهب وتسجيله. وتكتسب هذه المسألة أهمية في تحديد الجهات المخولة إدارة الاحتياط واتخاذ القرارات في شأنه، سواء تعلق الأمر بنقله أو حمايته أو استخدامه.--------------------قلعة فورت نوكس خزانة الذهبقلعة فورت نوكس وتسمى رسمياً مبنى خزانة سبائك الإيداع الأميركية هي الخزانة الرئيسية لاحتياطي الذهب في الولايات المتحدة الأميركية بنيت عام 1939 وتضم حوالي 147.3 مليون أنصة من الذهب تبلغ قيمتها 600 مليار دولار، وهي تقع في ولاية كنتاكي بالولايات المتحدة، تحتل مساحة 110 ألف فدان من الأرض، على بعد 35 ميل من بلدة لويس فيل، ولقد تم اعتبارها الدرع الاقتصادى الأميركي منذ عام 1918، وتحتوي على 2.3% من كم الذهب الذي تم استخراج في تاريخ البشرية.تعتبر أكثر المباني حراسة في العالم اذ هي مبنية من الغرانيت الصلب والخرسانة المسلحة ومحاطة بسياج من الصلب، والمبنى محاط بمعسكر حربي أميركي هائل يتكون من جيش من الحراس.لا تعتبر هذه هي الخزانة الوحيدة في الولايات المتحدة إنما هي أكبرها، فهناك العديد من الخزائن في عدة ولايات أخرى ويبلغ محصلة رصيد الذهب بها 8,133 طن من الذهب الخالص.لوصول إلى داخل الخزنة يعد أمراً شبه مستحيل، حيث لا يُسمح حتى لرؤساء الولايات المتحدة بزيارتها بانتظام. تاريخياً، لم يفتح القبو لأشخاص من خارج الهيئة الرسمية سوى ثلاث مرات فقط:1. عام 1943: تفقدها الرئيس فرانكلين روزفلت (وهو الرئيس الوحيد الذي دخلها).2. عام 1974: سُمح لأعضاء من الكونغرس والصحافة بإلقاء نظرة خاطفة لدحض شائعات اختفاء الذهب.3. عام 2017: سمح لوزير الخزانة آنذاك ستيف منوشين وبرفقته حاكم ولاية كنتاكي بزيارتها للتحقق من الأمان.
يملك لبنان احتياطياً ذهبياً يبلغ نحو 286.8 طناً، مما يجعله ثاني دولة عربية من حيث احتياطيات الذهب بعد السعودية. يتوزع هذا الاحتياطي بين كميات مخزنة في الخارج تبلغ حوالي 96 طناً بالاحتياطي الفيديرالي الأميركي بنيويورك، وكميات داخل لبنان تقدر بنحو 191 طناً موجودة في خزائن مصرف لبنان.
يثير سؤال استعادة الذهب المودع بالخارج نقاشات قانونية واقتصادية معقدة على خلفية التخوف من دعاوى قضائية محتملة تستهدف الأصول اللبنانية بسبب الالتزامات المالية للدولة. وبينما لا تعتبر مثل هذه الخطوة سابقة دولية غير معروفة، فقد سبق لدول عديدة كألمانيا وهولندا والمجر وبولندا أن استعادت أجزاء من احتياطياتها الذهبية، إلا أن تنفيذ ذلك يستلزم إجراءات معقدة وشروطاً قانونية صارمة.
من الناحية القانونية، فإن الاستعادة ممكنة من حيث المبدأ، لكنها تتطلب توضيح الفروقات الهامة بين نقل الذهب وتغيير مكان تخزينه من جهة، والتصرف به أو بيعه أو رهنه من جهة أخرى. ينظم القانون الرقم 42 الصادر عام 1986 هذه المسألة، حيث يمنع أي تصرف بالذهب أو إجراء عمليات عليه دون موافقة إجماعية من مجلس النواب. غير أن تطبيق هذا القيد على عملية النقل نفسها يتطلب تفسيراً قانونياً واضحاً، لأن تغيير مكان الاحتفاظ بالذهب قد لا يندرج بالضرورة تحت تعريف التصرف بالأصل.
عملياً، نقل ما يقارب 96 طناً من الذهب ليس إجراءً إدارياً بسيطاً بل يتطلب تنسيقاً وثيقاً مع الجهات المسؤولة عن تخزينه. تشمل هذه العملية التحقق من الكميات والمواصفات، واستكمال الفحص والتوثيق، بالإضافة إلى توفير وسائل نقل آمنة وتغطية تأمينية شاملة. كل هذه الترتيبات تستغرق وقتاً وتكاليف فعلية لا يمكن تحديد نطاقها مسبقاً دون معرفة شروط التسليم والإجراءات المطلوبة.
اقتصادياً، لا تحقق إعادة الذهب إلى الأراضي اللبنانية أي إضافة حقيقية للسيولة المتاحة، كون الاحتياطي مسجل فعلاً ضمن موجودات مصرف لبنان بغض النظر عن مكان تخزينه. بالتالي فإن تغيير موقعه الجغرافي لا يزيد قيمة الموجودات ولا يضخ أموالاً جديدة في السوق، ولا يحل بشكل مباشر أزمات الودائع أو يعيد الثقة للنظام المصرفي. قد تكون للاستعادة اعتبارات تتعلق بالسيطرة المباشرة على الاحتياطي أو تقليل المخاطر القانونية المحتملة، لكن تحديد هذه الأهداف والفوائد الفعلية يتطلب توضيحاً رسمياً من مصرف لبنان.
تثير قضية الاستعادة أيضاً أسئلة حول ملكية الاحتياطي ذاته، خاصة فيما يتعلق بمساهمة الدولة ومصرف لبنان في تمويل شراء أجزاء من هذا الاحتياطي عبر السنوات. تحديد الجهة التي ساهمت في التمويل لا يكفي وحده لحسم الملكية القانونية، بل يستدعي الرجوع إلى السجلات المالية والوثائق التاريخية التي توضح آليات الشراء والتسجيل. هذا التحديد يكتسب أهمية بالغة لتحديد الجهات المخولة بإدارة الاحتياط واتخاذ القرارات المتعلقة به.