كلُّ جرعةٍ لها ثمن ... كفى تعتيماً وتستّراً على تُجّار المخدرات!
لم تعد ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشباب مجرّد مشكلة عابرة، بل تحوّلت إلى كارثة وجودية تفوق الأوبئة والحروب، في ظلّ أزمات متتالية، غياب للردع الكافي لتُجّار المادة وعجز أسر ومؤسّسات عن الاحتواء.تتفاقم المأساة مع وهم تشريع برّاق تُبثّه وسائل التواصل والدراما، يضع الشباب بين الميول التقليدية والانبهار الخارجي، من دون إدراك للمخاطر القاتلة والجرعات الزائدة التي تخطف الأرواح يومياً.يتجاوز هذا التقرير الشعارات الجافة والإدانة الأخلاقية ليُفكّك الأبعاد النفسية، الاجتماعية والعصبية للتعاطي، مستنداً إلى أطروحات علمية ومفاهيم حديثة، فالمطلوب ليس فهم أسباب السلوك فحسب، بل تدخّل واعٍ وشامل يمنع الموت المجاني ويحمي صحة المجتمع.وزارة الصحة ترفع الصوتوأفاد الدكتور جوزف الحلو، مستشار وزير الصحة للشؤون الصحية والاجتماعية، بأنَّ الوزارة تستخرج بيانات الحالات المسجّلة في المستشفيات ومراكز العلاج لرصد حجم تعاطي المخدرات بين المراهقين والشباب في لبنان. فالأرقام الفعليّة تفوق الحالات الموثّقة، نظراً الى عزوف العديد من المتعاطين عن التوجّه إلى المؤسّسات الصحية.وفي شقّ الشراكات الميدانية، أشار إلى استمرار التعاون مع الجمعيات المتخصّصة في الوقاية ومكافحة الإدمان، عبر فعاليات ومؤتمرات توعوية تُقام برعايتها وإشرافها.ولفت إلى نشاط جمعيّة جاد المرتقب في مجلس النواب، إضافةً إلى توسيع الشراكة مع البلديات وهيئات المجتمع الأهلي لتضافر الجهود في حماية النشء.مواجهة هذه الظاهرة تتجاوز قدرات وزارة الصحة منفردة، وتتطلب تنسيقاً وثيقاً مع وزارات الداخلية، التربية، الإعلام، وأجهزة مكافحة التهريب والرقابة الأمنية.وحول الأهداف الاستراتيجية، بَيّن الدكتور الحلو أنَّ الغاية الأسمى تتمثّل في حماية الجميع والحدّ من التعاطي وصولاً إلى أمّة خالية من المخدرات، عبر التزام حكومي صريح وخريطة طريق مستدامة بين التوعية، العلاج والمتابعة.وأضاف: الأزمات المتلاحقة في البلاد تُعرقِل الاستمرارية، إذ تُجبر المنظّمات على تحويل إمكاناتها نحو الطوارئ على حساب البرامج الوقائية الطويلة الأمد.وحذّر من تطبيع التعاطي اجتماعياً في أماكن الترفيه وظهور أصناف مستجّدة من المخدرات، مشدّداً على ضرورة الرقابة الأمنية على الحفلات وقمع تداول الأدوية لغير الأغراض الطبّية بالتنسيق مع الصيدليات والأجهزة المعنية وهو ما تضطلع به الوزارة حالياً.وتتواصل حملات التوعية بمخاطر المخدرات ومواجهة المعلومات المضلّلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.تبدأ التوعية من الأسرة كخطّ دفاع أوّل تتكامل معه المدارس والجامعات، مع إعطاء الوزارة الأولوية للصحة النفسية في مراكز الرعاية الأوليّة لمساندة الفئات الأكثر هشاشة بوجه تداعيات الحرب.ودعا الحلو الشباب الى التركيز على دراستهم والرياضة واجتناب التقليد الأعمى للإدمان، مشدّداً على حفظ القيم والهوية لحماية جيل المستقبل عبر تكامل الوعي الأسري مع الجهود المؤسّسية والأهلية.الأبعاد النفسية ووهم التشريعوترى الباحثة في علم النفس المدرسي والسلوكي، إلسي العيراني، أنَّ التعامل مع التعاطي لدى الشبان والشابات يتطلّب فهم حاجاتهم النفسية، العاطفية والاجتماعية لمعالجة السلوك من دون تبريره أو وصمهم، إذ غالباً ما يكون محاولة للهروب من القلق وضغط الأقران وليس طلباً للمتعة.وتستشهد بِفرضية التداوي الذاتي Self-Medication Hypothesis لِإدوارد خانتزيان، معتبرة أنًّ اللّجوء الى المواد كآلية مواجهة يُدخل الفرد في دائرة مفرغة تُؤدّي إلى تفاقم الأعراض النفسية بدلاً من علاجها، ممّا يجعل فهم هذا الجانب أساساً للتدخّل العلاجي بدلاً من الاكتفاء بالإدانة.إنَّ تجربة التعاطي الأولى يرتبط غالبها بحاجة المراهق للانتماء والقبول الاجتماعي، حيث يُمارس تأثير المحيط أثره كشرط ضمني للحفاظ على المكانة، حتى من دون أمر صريح. وأثبتت دراسة غاردنر وشتاينبرغ عام 2005 أنَّ وجود الأصدقاء يُضاعف ميلهم للمخاطرة خشية خسارة الانتماء، خصوصاً عند غياب الأمان الأسري.وتزيد أزمات الدولة من هذه الأعباء، ما يُوثّق أنَّ الدوافع تتنوّع بين الفضول والأعباء وأنَّ الوقاية تتطلّب بيئات آمنة تحتضنهم لا الاكتفاء بالشعارات.وتُفسّر أنَّ مرحلة المراهقة تشهد نموّاً مستمرّاً للقشرة أمام الجبهية، ما يجعلهم أكثر تأثّراً بالمكافآت السريعة. دورالسوشال ميديا والدراما في تطبيع ذلك عبر ترسيخ المعايير الاجتماعية المدركة Perceived Social Norms، أيّ الإيحاء بشيوع السلوك وقبوله اجتماعياً.ورصدت المراجعات والدراسات العلمية (2023–2025) أنَّ أكثر من 76% من المحتوى الرقمي يُجمّل المواد المخدّرة ويربط التعرّض لها ببدء تعاطيها لدى المراهقين، ما يستوجب تعزيز التفكير النقدي لديهم لتمييز الرواج الزائف عن السلامة الصحية الحقيقية.إنَّ الإتاحةَ الطبّية لمادةٍ ما لا تعني إباحة استهلاكها الترفيهي، فالشرعيةُ القانونية للزراعة كما في القانون اللّبناني (178-2020) والممارسات الدولية كالتجربة الكندية، تقتصر حصراً على الأغراض الطبّية والصناعية لحظرها عن غير البالغين وقمع استخدامها الترفيهي. الى معايير WHO وUNODC، تدعو العيراني للانتقال من التخويف إلى تعزيز الكفاءة الذاتية لتمكينهم من رفض العروض.تتحدّد معالم الوقاية والعلاج في:الأسرة والمدرسة: إستبدال العقاب بالحوار الواعي، إدارة التوتر وتوظيف الإعلام الرقمي بمحتوى تفاعلي واقعي بدلاً من الوعظ.التقييم النفسي: عدم الاستعجال في تفسير التراجع الدراسي أو اضطراب النوم كدليل حتمي على التعاطي، بل اعتماد تقييم سرّي شامل.المقابلة التحفيزية (Miller & Rollnick): إستكشاف دوافع التغيير والتناقض الذاتي من دون فرض أو وصم.وتخلص إلى حتمية تكامل الوقاية بمستوياتها الثلاثة: الفردية، الأسرية-المدرسية والمجتمعية، وفق قاعدة: فهم الدوافع لا يعني تبريرها واستنكار السلوك الضار لا يعني نبذ صاحبه.نداؤنا الى الأهالي عاجل ولا يتحمل التأجيل: سلامة أولادكم وحياتهم النفسية أثمن بكثيرٍ من مجاراةِ الخوف من الوصمة وصيت العائلة أو الملاحقات، فتداركوا أيّ اض
تحوّلت ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشباب من مشكلة عابرة إلى أزمة وجودية حقيقية، تفاقمت بفعل الأزمات المتتالية وغياب الردع الكافي لمروجي هذه المواد، إلى جانب عجز الأسر والمؤسسات عن احتواء هذه الظاهرة. تزداد المأساة مع انتشار محتوى على وسائل التواصل والدراما يصور التعاطي بصورة براقة، ما يضع الشباب أمام انجذاب خارجي دون إدراك للمخاطر القاتلة والجرعات الزائدة التي تودي بالأرواح يومياً.
أكد مستشار وزير الصحة للشؤون الصحية والاجتماعية أن الوزارة تستخرج بيانات الحالات المسجلة في المستشفيات ومراكز العلاج لرصد حجم التعاطي بين المراهقين والشباب، مع الإشارة إلى أن الأرقام الفعلية تفوق الحالات الموثقة بسبب امتناع كثيرين عن التوجه للمؤسسات الصحية. وأضاف أن الوزارة تستمر في التعاون مع الجمعيات المتخصصة عبر فعاليات توعوية، وتعمل على توسيع الشراكة مع البلديات وهيئات المجتمع الأهلي.
لكن مواجهة هذه الظاهرة تتجاوز قدرات وزارة الصحة وحدها، وتتطلب تنسيقاً وثيقاً مع وزارات الداخلية والتربية والإعلام، إلى جانب أجهزة مكافحة التهريب والرقابة الأمنية. وأوضح مستشار الوزارة أن الهدف الأسمى يتمثل في حماية الجميع والحد من التعاطي عبر التزام حكومي صريح وخريطة طريق مستدامة تجمع بين التوعية والعلاج والمتابعة.
من الناحية النفسية، يرى الخبراء أن التعامل مع التعاطي لدى الشباب يتطلب فهم احتياجاتهم النفسية والعاطفية والاجتماعية، حيث غالباً ما يكون التعاطي محاولة للهروب من القلق والضغوط الاجتماعية وليس طلباً للمتعة. تشير الدراسات إلى أن التجربة الأولى ترتبط بحاجة المراهق للانتماء والقبول الاجتماعي، إذ يمارس المحيط تأثيره كشرط ضمني للحفاظ على المكانة.
ويُعزّز دور وسائل التواصل والدراما هذه الظاهرة من خلال ترسيخ معايير اجتماعية مدركة توحي بشيوع السلوك وقبوله. أظهرت الدراسات العلمية الحديثة أن أكثر من 76% من المحتوى الرقمي يجمّل المواد المخدرة، الأمر الذي يستوجب تعزيز التفكير النقدي لدى الشباب.
تدعو الرؤى العلمية للانتقال من سياسة التخويف إلى تمكين الشباب بما يُعرف بـ "الكفاءة الذاتية"، تمكنهم من رفض العروض. كما تؤكد على ضرورة استبدال العقاب بالحوار الواعي في الأسرة والمدرسة، مع إدارة التوتر وتوظيف الإعلام الرقمي بمحتوى تفاعلي واقعي.
على الصعيد العملي، تشدد الرسائل الموجهة للأهالي على أن سلامة الأبناء وصحتهم النفسية أثمن بكثير من الخوف من الوصمة، داعية إلى التداخل الفوري والعلاج بحب واحتواء. كما تؤكد على ضرورة كسر حاجز الخجل والصمت، ورفع الصوت معاً لحماية حياة الشباب من أخطار التعاطي." }