تعبئة الجماهير: من السخط الاجتماعي إلى الفعل السياسي من طرابلس إلى باريس: متى يتحوّل السخط إلى فعل جماعي؟

رنا فرحفي جولته على طرابلس، قال رئيس الجمهورية جوزاف عون: زيارتي لأقول لأبناء طرابلس إنّ الدولة موجودة وإلى جانبكم دائماً، ولاستعادة الثقة، يجب تأمين الخدمات للمواطن، فكرامة الإنسان تقتضي أن تقدّم له الدولة الخدمات، وأن تكون متاحة للجميع. هكذا نعيد الثقة.تختصر هذه العبارة إشكالية أساسية في العلاقة بين الدولة والمجتمع: كيف تُستعاد الثقة حين يشعر المواطن بأنّ المؤسسات لا تستجيب لحاجاته؟ وماذا يحدث حين يتحوّل الحرمان من الخدمات، أو الشعور بالتهميش، أو فقدان الثقة بالسلطة، من تجربة فردية إلى مطلب جماعي يتجاوز حدود الشكوى؟لا تتعلّق المسألة بالخدمات العامة وحدها، بل بقدرة المجتمع على تحويل مطالبه إلى قوة سياسية منظّمة. فالسخط، مهما اتّسع، لا يتحوّل بالضرورة إلى فعل جماعي. قد يشترك الناس في المعاناة نفسها، من دون أن يتّفقوا على تفسير أسبابها، أو تحديد الجهات المسؤولة عنها، أو الوسائل الكفيلة بتغيير الواقع. وبين الشعور بالظلم والقدرة على تغييره، مسافة لا تردمها المعاناة وحدها.من هنا، لا يقتصر السؤال على ما يدفع الناس إلى الاحتجاج، بل يشمل أيضاً ما يجعلهم يدركون أنّ مشكلاتهم الفردية ترتبط بمشكلة عامة، وأنّ مصالحهم قد تلتقي عند مطالب مشتركة.تطرح الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا أسئلة مشابهة. فحين تتقاطع المطالب المتعلّقة بالتعليم والخدمات العامة وكلفة المعيشة، يصبح من الضروري فهم الظروف التي تسمح بتحوّل التذمّر الاجتماعي إلى حركة احتجاجية، وكذلك القوى السياسية التي تسعى إلى تمثيله والتأثير في مساره.لكنّ الاحتجاج لا يحمل نتيجة سياسية محدّدة سلفاً. فقد تتّسع الحركة الاحتجاجية من دون أن تنجح في إنتاج قيادة أو برنامج مشترك، وقد تتنافس الأحزاب على تمثيل مطالبها، فيما تستجيب السلطة لبعضها وتتعامَل مع بعضها الآخر بوصفه مسألة أمنية تستدعي استعادة النظام العام.من هنا، يبرز السؤال الأساسي: ما الذي يحوّل المظالم المتفرّقة إلى فعل جماعي؟ وما الدور الذي تؤدّيه الأحزاب السياسية في هذه العملية؟الأحزاب السياسية: من تمثيل المصالح إلى تعبئة الجماهيرلا تقتصر وظيفة الأحزاب السياسية على خوض الانتخابات والوصول إلى السلطة. فالحزب وسيط بين المجتمع والدولة، وبين المطالب الاجتماعية وإمكانات تحويلها إلى قرارات وسياسات عامة. وهو، في هذا المعنى، ليس مجرّد تنظيم يتنافس على أصوات الناخبين، بل إطار يُفترض أن يساعد الأفراد على اكتشاف مصالحهم المشتركة، وصوغ مطالبهم، وتنظيم مشاركتهم في الحياة السياسية.تتجاوز التعبئة السياسية مجرّد الدعوة إلى التظاهر أو حشد المؤيّدين في موسم انتخابي. إنّها عملية تهدف إلى تحويل الاهتمامات المتفرّقة إلى وعي بالمصالح المشتركة، وبناء الروابط بين الأفراد، وإيجاد أشكال من التنظيم تسمح باستمرار المشاركة وتطويرها.غير أنّ انتشار الرسالة السياسية لا يكفي وحده لبناء حركة جماعية. فذلك يتطلّب تنظيماً قادراً على جمع المطالب، والتوفيق بين الاختلافات، وتحديد الأولويات، وتحويل المطالب الآنية إلى فهم أوسع للعلاقات الاجتماعية والسياسية التي تنتجها.لذلك، لا تُقاس قدرة الحزب على التعبئة بعدد الأشخاص الذين يستطيع جمعهم في الشارع فحسب، بل أيضاً بقدرته على بناء علاقة مستمرّة مع المجتمع، وإتاحة المجال أمام المواطنين للمشاركة في تحديد المطالب والوسائل والغايات.فرنسا وأزمة الوساطة السياسيةتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما تتّسع دائرة السخط الاجتماعي، فيما تعجز الأحزاب القائمة عن توفير قناة سياسية قادرة على احتوائه وتوجيهه.يرى خبراء أنّ الأزمة في فرنسا تتجاوز الخلاف حول بنود محدّدة في الموازنة، وتعكس حالة أعمق من السخط الاجتماعي. وفي هذا السياق، قال إميل شابال، من جامعة إدنبرة، إنّ الشلل السياسي الذي أعقب الانتخابات النيابية عام 2024، والتي لم تُفضِ إلى حصول أيّ تكتّل على أغلبية مطلقة، أوجد بيئة لا يستطيع فيها أيّ حزب أو حركة سياسية تأطير السخط الاجتماعي وتوجيهه.في مثل هذه الحالات، قد تتطوّر الحركات الاحتجاجية خارج الأطر الحزبية التقليدية، أو تتنافس الأحزاب على تمثيلها، أو تحول الانقسامات السياسية دون نشوء برنامج مشترك. وهكذا، قد يحضر السخط الاجتماعي بقوة في المجال العام، من دون أن يكتسب قدرة موازية على التأثير في السياسات العامة أو في توزيع السلطة.الدولة وتدبير المطالب الشعبيةإذا كانت الأحزاب تؤدّي دوراً في تحويل المطالب الاجتماعية إلى فعل سياسي، فإنّ الدولة تحدّد، إلى حدّ كبير، كيفية الاستجابة لهذا الفعل. فحين تتّسع الاحتجاجات، تجد المؤسسات نفسها أمام مطالب قد تتراوح بين تحسين الخدمات العامة وتغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية وآليات اتخاذ القرار.وقد تستجيب السلطة من خلال التفاوض، أو تقديم التنازلات، أو إطلاق الإصلاحات، أو زيادة الإنفاق العام. وقد تلجأ أيضاً إلى تدابير تهدف إلى ضبط الاحتجاجات وحفظ النظام العام. وتطرح هذه الاستجابات سؤالاً أساسياً: هل تنظر المؤسسات إلى الاحتجاج بوصفه مسألة أمنية ينبغي احتواؤها، أم بوصفه تعبيراً عن مطالب تستدعي استجابة سياسية واجتماعية؟لا يعني الحفاظ على النظام العام أنّ كلّ مطلب احتجاجي ينبغي قبوله، لكنّ استعادة النظام لا تساوي بالضرورة معالجة الأسباب التي دفعت الناس إلى الاحتجاج. فقد تنجح الدولة في إنهاء اضطراب ما من دون حلّ المشكلة الاجتماعية التي عبّر عنها، أو تقدّم إصلاحات تستجيب لبعض المطالب، فيما تبقى أسئلة التمثيل والمشاركة وتوزيع السلطة من دون إجابة.لفهم هذه العلاقة، يمكن الاستعانة بالفيلسوف والمفكّر السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، ولا سيّما بمفهومه عن الثورة السلبية(Passive Revolution).غرامشي والثورة السلبيةيتناول غرامشي كيفية تشكّل الهيمنة السياسية، وكيف تحافظ الجماعات الحاكمة على قيادتها، وكيف تستجيب الدولة للأزمات والتحوّلات الاجتماعية. فالسلطة، وفق هذا المنظور، لا تقوم على الإكراه وحده، بل تعتمد أيضاً على إنتاج القبول، وتنظيم المصالح، وصوغ الأفكار التي تمنح النظام القائم قدراً من الشرعية.وعليه، لا

تعبئة الجماهير: من السخط الاجتماعي إلى الفعل السياسي من طرابلس إلى باريس: متى يتحوّل السخط إلى فعل جماعي؟
{ "title": "من السخط إلى الفعل: كيف يتحول الغضب الشعبي إلى حركة سياسية منظمة", "category": "دولية", "is_lebanon": true, "article": "

زيارة رئيس الجمهورية إلى طرابلس كانت فرصة للتأكيد على دور الدولة في استعادة ثقة المواطنين من خلال تقديم الخدمات الأساسية. لكن هذه الزيارة تطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تستعيد الثقة حين يشعر المواطنون بأن احتياجاتهم الأساسية لا تُلبى؟

المشكلة الحقيقية لا تكمن في الخدمات وحدها، بل في قدرة المجتمع على تحويل شكواه الفردية إلى مطلب جماعي منظم. فالسخط، مهما اتسع نطاقه، لا يتحول تلقائياً إلى فعل سياسي فعال. قد يشترك الآلاف في المعاناة ذاتها، لكنهم قد لا يتفقون على تفسير أسبابها أو تحديد المسؤولين عنها أو الحلول الممكنة. المسافة بين الشعور بالظلم والقدرة على تغييره تتطلب أكثر من المعاناة وحدها؛ تحتاج إلى تنظيم سياسي واعٍ.

الأحزاب السياسية تلعب دوراً محورياً في هذه العملية. فوظيفتها لا تقتصر على خوض الانتخابات، بل تمتد إلى كونها وسيطاً بين المجتمع والدولة. يفترض أن تساعد الأحزاب الأفراد على اكتشاف مصالحهم المشتركة وصياغة مطالبهم وتنظيم مشاركتهم السياسية المستمرة. التعبئة السياسية الحقيقية ليست مجرد استدعاء للتظاهر في موسم انتخابي، بل عملية تحول الاهتمامات المتفرقة إلى وعي بالمصالح المشتركة وبناء تنظيم يستمر في العمل.

في السياقات التي تشهد شللاً سياسياً، كما حدث في فرنسا بعد الانتخابات البرلمانية عام 2024 حين فشلت أي كتلة من الحصول على أغلبية مطلقة، يصبح من الصعب على أي حزب أو حركة سياسية استيعاب السخط الاجتماعي وتوجيهه نحو أهداف محددة. قد تتطور احتجاجات خارج الأطر الحزبية التقليدية، أو تتنافس عليها أحزاب متعددة، مما يضعف تأثيرها السياسي الفعلي.

دور الدولة في هذه المعادلة ليس أقل أهمية. عندما تتوسع الاحتجاجات، تجد السلطات نفسها أمام خيارات: التفاوض والتنازلات والإصلاحات، أو اعتبار الاحتجاج مسألة أمنية تتطلب استعادة النظام العام. لكن الحفاظ على النظام لا يعني بالضرورة معالجة الأسباب الجذرية التي دفعت الناس للاحتجاج. قد تنجح الدولة في إنهاء الاضطراب دون حل المشكلة الاجتماعية، أو تقدم إصلاحات جزئية بينما تبقي العلاقات الأساسية التي تحكم توزيع السلطة والنفوذ دون تغيير.

هذا ما يطلق عليه الفكر السياسي "الثورة السلبية"، حيث تتم إدارة التغيير من قمة السلطة، دون أن يرافقه تنظيم مستقل وموازٍ من القاعدة الشعبية. السلطة قد تحسّن الخدمات أو تعدل السياسات، لكن دون تغيير حقيقي في آليات اتخاذ القرار أو توسيع مشاركة المواطنين في صياغة السياسات.

من هنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية: بناء علاقات مستمرة مع الفئات الاجتماعية وفهم مطالبها الحقيقية، وليس مجرد استثمار لحظات الغضب. الحشد قد يلفت الانتباه، لكن التنظيم هو الذي يحقق المتابعة والمساءلة الفعلية.

سواء في طرابلس أو في باريس، السؤال الأساسي يبقى واحداً: هل يؤدي الاحتجاج والاستجابة له إلى توسيع قدرة المواطنين على التأثير الحقيقي في القرار السياسي، أم أنه يقتصر على استيعاب بعض المطالب مع الإبقاء على بنى السلطة القائمة؟ الإجابة تعتمد على قوة التنظيم الشعبي المستقل وليس على حسن النوايا وحده." }