الفدراليّة: هل نحلّ مشكلة لبنان بتفكيك المجتمع؟
مهى مرادمنذ عقود، جعل لبنان الطائفة إطاراً لتنظيم السلطة والمصالح. والمقصود بالطائفة هنا ليس جماعةً من المؤمنين تجمعهم معتقدات دينية مشتركة، بل بنية اجتماعية وسياسية تتشكّل حول زعامات ومؤسسات خاصة بها، ويؤدّي رجال الدين فيها دوراً سياسياً بارزاً. إلّا أنّ الطائفة ليست كتلةً متجانسةً من المصالح؛ ففي داخلها أغنياء وفقراء، وعمال وأرباب عمل، ومصرفيون ومودعون... فيجد الزعيم نفسه أمام مصالح متعارضة يصعب اختزالها في موقف واحد، ويصبح اللّاقرار الخيار الأكثر أماناً للحفاظ على توازنات طائفته. لكن الحفاظ على الزعامة يتطلّب تأمين الولاءات؛ ومع استحالة تلبية مصالح الجميع، يصبح توزيع المنافع من موارد الدولة أداةً ضرورية للحفاظ على النفوذ. ويترافق معه خطاب الخوف من الآخر لتعزيز الالتفاف حول الطائفة، والاستناد إلى قوى خارجية طلباً للدعم والحماية. هنا تكمن المفارقة: ما يُقدَّم بوصفه حمايةً للطوائف يصبح عائقاً أمام قيام الدولة. فالدولة، على نقيض الطوائف، هي الأداة القادرة على اتخاذ القرار، والفصل بين الداخل والخارج، ووضع السياسات العامة، وإدارة المصالح المتعارضة على أساس المواطنة. فهل تستطيع الفدرالية أن تبني دولة؟يقوم النظام الفدرالي على توزيع الصلاحيات بين أقاليم لها حكوماتها ومواردها، وسلطة اتحادية تمثّل جميع الأقاليم وتدير الشؤون المشتركة. وإذا قُسّمت الأقاليم على أساس طائفي، فسيصبح زعيم الطائفة حاكماً للإقليم. وما دامت المشكلة، كما سبق أن شرحنا، تكمن في تضارب المصالح داخل الطائفة الواحدة وعجز زعمائها عن التوفيق بينها، فهل سيتمكّن زعماء الأقاليم من إدارة هذه المصالح داخل أقاليمهم، أم أنّ الفدرالية ستنقل المشكلة إلى مستوى الإقليم بدلاً من حلّها؟ولا تتوقّف الإشكالية عند إدارة المصالح داخل الأقاليم، بل تشمل أيضاً القضايا التي تبقى من صلاحيات السلطة الاتحادية، كالدفاع والسياسة الخارجية والسياسة النقدية والمالية. فقد أظهرت تجربة الحكومات اللبنانية منذ اتفاق الطائف كيف تحوّل حقّ الفيتو إلى أداة لتعطيل القرار بين القوى الطائفية نفسها. لذلك، فإنّ الاستشهاد بتجارب الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وغيرها يتجاهل أنّ نجاح الفدرالية يتطلّب وجود سلطة اتحادية قادرة على إدارة هذه الملفات، والتي تشكّل أساس المشكلة في لبنان.ولا يقتصر السؤال على توزيع الصلاحيات السياسية، إذ يعوّل المطالبون بالفدرالية على جذب الاستثمارات الخارجية إلى أقاليمهم، معتبرين أنّ السلاح خارج الدولة يحدّ من تدفّقها. لكنّ الاستثمارات التي دخلت إلى لبنان ارتبطت بمصالح سياسية، إذ دعمت دولٌ طوائفَ معيّنة للحدّ من نفوذ طوائف أخرى ودول منافسة. فقد استقطب لبنان في الوقت نفسه دعماً سياسياً ومالياً من إيران والولايات المتحدة في سياق الصراع الإقليمي، ما نقل جانباً من هذا الصراع إلى الداخل اللبناني. إلّا أنّ فصل الطوائف في أقاليم مستقلّة سيعزّز نفوذ كلّ طائفة داخل إقليمها، ما قد يؤدّي إلى تراجع دوافع الاستثمار السياسي بدلاً من زيادتها، خصوصاً أنّ الدول الداعمة نفسها تواجه أزمات اقتصادية ناجمة عن الحروب، ما قد يُخرج لبنان من أولوياتها. وإذا استمرّ تدفّق الدعم، فإنّ رهان الطوائف على الخارج لطالما تحوّل إلى ارتهان له، أدّى في كثير من الأحيان إلى نزاعات بينها. أمّا الاستثمارات ذات الدوافع الاقتصادية، فلا يكفي لجذبها تغيير شكل النظام، بل يتطلّب الأمر بناء اقتصاد منتج، وتوفير بنية تحتية ملائمة ومؤسسات موثوقة، ووضع سياسات اقتصادية واضحة. وهذه أمور تحتاج إلى تعاون بين مختلف الأقاليم.وكما في موضوع الاستثمارات، يعوّل المطالبون بالفدرالية على تعزيز السياحة في مناطقهم، التي تضرّرت بفعل ما يصفونه بـحروب الآخرين. لكنّ الاعتماد على السياحة وحدها لا يضمن اقتصاداً مستقرّاً. فهذا القطاع من أكثر القطاعات تأثّراً بالتوترات الأمنية والسياسية، سواء داخل لبنان أو في محيطه الإقليمي. وتُظهر التجارب الإقليمية أنّ قوة الدول في منطقة مضطربة سياسياً كمنطقتنا لا تقوم على السياحة، بل على الجمع بين اقتصاد منتج، ومؤسسات فاعلة، وقدرة دفاعية وطنية. وهذه الشروط لا يوفّرها تغيير شكل النظام بحدّ ذاته، بل تتطلّب دولة قادرة على تحديد أولويات مشتركة وتنفيذها.إلى ذلك، يتطلّب استقرار النظام الفدرالي آليات لتوزيع الموارد وتحقيق التضامن المالي بين الأقاليم الأكثر ثراءً والأقل ثراءً. وهذا تحدٍّ إضافي في لبنان، حيث يتركّز جزء كبير من النشاط الاقتصادي والخدمات والمؤسسات والإيرادات الضريبية والمرافق العامة في بيروت وضواحيها، وهي منطقة شديدة التنوع الطائفي. فكيف يمكن رسم حدود واضحة بين الأقاليم في بلد تتداخل فيه الطوائف والسكان والمصالح الاقتصادية؟إذا كان الهدف من الفدرالية تثبيت الانقسام الطائفي جغرافياً، فإنها ستعزّز نفوذ زعماء الطوائف في مناطقهم، وتفتح الباب أمام النزاع بينهم، وصولاً إلى تسليح الأقاليم وإشعال حرب أهلية يخشاها الجميع. الحلّ لا يكون بتفكيك المجتمع، بل ببناء مجتمع متماسك ودولة قادرة على إدارة المصالح المشتركة والمتعارضة بعدالة. فما يجمع اللبنانيين أكثر بكثير ممّا يفرّقهم: الكهرباء والمياه والنقل، وكلفة التعليم والاستشفاء والسكن، والبطالة والهجرة. وهي هموم تتجاوز الانتماءات الطائفية، وتتطلّب سياسات عامة عادلة وفعّالة. ولا يتحقّق بناء هذه الدولة بتغيير شكل النظام وحده، بل يتطلّب انكفاء زعماء الطوائف وتشكيل حكومة انتقالية مستقلة ذات صلاحيات استثنائية تتولّى إجراء تعداد سكاني يرصد أماكن إقامة المواطنين وحاجاتهم بعيداً عن التصنيف الطائفي، وإدارة الموارد بما يعزّز الإنتاج ويؤسّس لاقتصاد مستدام ويحدّ من الاستهلاك والهجرة. كما تعمل على ضمان الحقوق الأساسية، ولا سيّما في الصحة والتعليم، للحدّ من الزبائنية وارتهان المواطنين للزعماء، وعلى إرساء خدمة مدنية وعسكرية فاعلة، وبناء مؤسسات عامة متماسكة وجيش وطني يخضع لسلطة الدولة.المطلوب ليس نقل النظام الطائفي من المستوى الوطني إلى الأقاليم، بل تجاوزه. وعندها، يصبح النقاش في
الفدرالية في لبنان: هل تحل الأزمة أم تعمّق الانقسام؟"
منذ عقود، بنى لبنان نظامه السياسي على أساس طائفي، حيث أصبحت الطائفة البنية الأساسية لتنظيم السلطة والمصالح. لكن هذه البنية لا تمثل كتلة متجانسة؛ فداخل كل طائفة أغنياء وفقراء، عمال وأرباب عمل، مصرفيون ومودعون، مما يضع الزعيم أمام مصالح متعارضة يصعب التوفيق بينها. وللحفاظ على النفوذ والزعامة، يلجأ هؤلاء الزعماء إلى توزيع منافع من موارد الدولة، مصحوباً بخطاب يركز على الخوف من الآخر لتعزيز الولاء الطائفي، والاستناد إلى قوى خارجية للدعم والحماية. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: ما يُقدم كحماية للطوائف يصبح عائقاً فعلياً أمام بناء دولة حقيقية قادرة على اتخاذ القرار وإدارة المصالح المتنافسة على أساس المواطنة.
يقترح البعض الفدرالية كحل، نظام يقوم على توزيع الصلاحيات بين أقاليم لها حكوماتها ومواردها، مع سلطة اتحادية تدير الشؤون المشتركة. لكن إذا قُسمت هذه الأقاليم على أسس طائفية، سيتحول زعيم كل طائفة إلى حاكم إقليم. والمشكلة الأساسية لن تختفي: تضارب المصالح داخل الطائفة الواحدة سيُنقل ببساطة من المستوى الوطني إلى مستوى الإقليم، بدلاً من حلها. علاوة على ذلك، هناك قضايا من صلاحيات السلطة الاتحادية كالدفاع والسياسة الخارجية والنقدية، وتجارب سابقة أثبتت كيف تحول حق الفيتو إلى أداة لتعطيل القرار بين القوى الطائفية.
يعتقد مؤيدو الفدرالية أنها ستجذب استثمارات خارجية إلى أقاليمهم، معتبرين أن السلاح خارج الدولة هو السبب في تراجع الاستثمارات. غير أن الاستثمارات التي دخلت لبنان كانت مرتبطة بمصالح سياسية؛ دول دعمت طوائف معينة ضد منافسين آخرين. وفصل الطوائف جغرافياً قد يعزز نفوذ كل طائفة في إقليمها، الأمر الذي قد يقلل من دوافع الاستثمار السياسي بدلاً من زيادته، خاصة وأن الدول الداعمة تواجه أزمات اقتصادية. أما الاستثمارات ذات الدوافع الاقتصادية البحتة فتتطلب اقتصاداً منتجاً وبنية تحتية وحكماً قانونياً موثوقاً، وهذا يحتاج إلى تعاون بين الأقاليم كافة.
يراهن البعض أيضاً على تنمية السياحة في مناطقهم كحل اقتصادي، غير أن الاعتماد عليها وحدها لا يضمن استقراراً اقتصادياً. القطاع السياحي من أكثر القطاعات تأثراً بالتوترات الأمنية والسياسية، وتجارب إقليمية تثبت أن قوة الدول في المناطق المضطربة لا تقوم على السياحة وحدها، بل على الجمع بين اقتصاد منتج وحكومات فعّالة وقدرة دفاعية وطنية.
يواجه النظام الفدرالي تحدياً آخر: الحاجة إلى آليات واضحة لتوزيع الموارد والتضامن المالي بين الأقاليم الغنية والفقيرة. في لبنان، يتركز جزء كبير من النشاط الاقتصادي والخدمات والإيرادات الضريبية في بيروت وضواحيها، منطقة متنوعة طائفياً. كيف يمكن رسم حدود واضحة بين أقاليم تتداخل فيها الطوائف والسكان والمصالح الاقتصادية بعمق؟
إذا كان الهدف من الفدرالية تثبيت الانقسام الطائفي جغرافياً، فإنها ستعزز نفوذ زعماء الطوائف، وتفتح الباب أمام النزاعات بينهم، وقد تصل إلى تسليح الأقاليم وشعلة حرب أهلية. الحل الحقيقي ليس بتفكيك المجتمع، بل ببناء مجتمع متماسك ودولة قادرة على إدارة المصالح المشتركة بعدالة. ما يجمع اللبنانيين أكثر بكثير من اختلافاتهم: قضايا الكهرباء والمياه والنقل، تكاليف التعليم والصحة والسكن، البطالة والهجرة. هذه همومٌ تتجاوز الانتماءات الطائفية وتتطلب سياسات عامة عادلة وفعّالة.
بناء هذه الدولة لا يتحقق بتغيير شكل النظام وحده، بل يتطلب انكفاء حقيقي للزعماء الطائفيين وتشكيل حكومة انتقالية مستقلة بصلاحيات استثنائية. هذه الحكومة