عودةُ الساعة الضالّة
قيس نمرليلة السبت ـ الأحد الماضيين، أعادت الدولة اللبنانيّة إلى مواطنيها ساعةً كاملة.لا تفرحوا كثيراً، إنّها ليست وديعة، ولا هي من ودائعكم المحتجزة منذ 2019، هي ساعةٌ واحدة، بلا فوائد، تُصرَف نقداً ولمرّةٍ واحدة، ثمّ تُستردّ في آذار بلا إنذار، كما تُستردّ كلُّ الأشياء في هذا البلد، لكنّها، ولنكن منصفين، الشيء الوحيد الذي أخذته الدولة منّا وأعادته في الموعد المحدّد.في معظم بلاد الأرض، تأخير الساعة حدثٌ تقنيّ، يغيّر الناس عقارب ساعاتهم، يتذمّرون قليلاً من العتمة المبكرة وينامون،أمّا في لبنان، فتأخير الساعة ليس حدثاً، بل تخصّص.نحن شعبٌ متمرّس في الرجوع إلى الوراء. نرجع إلى الوراء في الكهرباء، وفي الرواتب، وفي سعر الصرف، وفي الطرقات التي تعود كلّ شتاءٍ حفراً كما كانت قبل أن تُعبَّد. نرجع إلى الوراء بخبرةٍ وأناقة، كراقص تانغو يعرف أنّ الخطوة إلى الخلف جزءٌ من الرقصة. فإذا طُلب منّا أن نؤخّر الساعة ستّين دقيقة فقط، شعرنا بشيءٍ من الإهانة المهنيّة، كأنّهم يطلبون من بحّارٍ عجوز أن يعبر بركة.وفي بيوت اللبنانيّين، لن تتأثّر كلّ الساعات بالتغييرساعة الفرن مثلاً، ستبقى كما هي، تومض 00:00 بإصرارٍ وجوديّ، لأنّها منذ سنوات لم تعرف ما هو الوقت أصلاً، فكلّما ضبطها أحد، جاء انقطاع الكهرباء فأعادها إلى الصفر، كأنّها سيزيف صغير يدفع صخرته الرقميّة كلّ مساء، ساعة الفرن اللبنانيّ هي أكثر ساعات العالم صدقاً: لا تدّعي أنّها تعرف كم الساعة، لأنّها تعرف البلد.أمّا الساعة الحقيقيّة التي يعيش عليها اللبنانيّ، فليست على الجدار ولا على المعصم، بل على باب البناية: جدول الاشتراك. من ستّة لعشرة، ومن ستّة الصبح لثمانية. بهذا التوقيت ننام ونصحو، نغسل ونكوي، ونقرّر إن كان للمصعد مستقبل، ولهذا، حين يسأل اللبنانيّ: قدّيش الساعة؟، فهو لا يسأل عن الوقت، بل عن صاحب المولّد.ولا ينسى أحدٌ ربيع 2023، حين عجزت الدولة حتى عن الاتّفاق على الوقت نفسه، فعاش البلد أيّاماً بتوقيتين. كان بإمكانك أن تنتقل من حيٍّ إلى حيّ فتصل قبل أن تنطلق، وأن تتأخّر عن موعدٍ لم يبدأ بعد، يومها كفّ اللبنانيّ عن السؤال قدّيش الساعة؟ وصار يسأل: قدّيش الساعة... عندكن؟.كانت تلك أوّل مرّةٍ في التاريخ يصير فيها الزمن، الذي ظنّه أينشتاين نسبياً، طائفياً بعض الشيء، ولو عاش أينشتاين في بيروت، لما احتاج إلى سرعة الضوء ليثبت نظريّته، كان يكفيه أن يأخذ سرفيس من الحمرا إلى الأشرفيّة.ثمّ إنّ اللبنانيّ لا يحتاج أصلاً إلى قرارٍ رسميّ كي يتأخّر ساعة، نحن نعيش منذ عقودٍ بتوقيتٍ خاصّ، لا تعترف به غرينتش، اسمه هلّق. وهلّق عند اللبنانيّين وحدةٌ زمنيّة مرنة، قد تعني خمس دقائق، وقد تعني ثلاث ساعات، وقد تعني الأسبوع المقبل. ويرافقها شقيقها الأكبر: بكرا. وبكرا في لبنان ليست يوماً، بل حالةٌ ذهنيّة، أفقٌ يبتعد كلّما اقتربنا منه، كالسراب في صحراء، وكالكهرباء الأربع والعشرين ساعة في البيانات الوزاريّة.فماذا سنفعل بهذه الساعة المُهداة؟الطلّاب سينامون فيها، الموظّفون سيشتمون فيها زحمة جسر الكولا بارتياحٍ أكبر، الأمّهات سيقلقن فيها على الأولاد المسافرين، فالقلق عند الأمّ اللبنانيّة لا يتأخّر ولا يتقدّم، بل يعمل بتوقيت الخليج وكندا وأستراليا معاً، والشباب سيقضونها، على الأرجح، في تعبئة استمارة هجرة، فهذه الساعة بالذات، ساعة الليل الإضافيّة، هي الساعة التي يقرّر فيها اللبنانيّ عادةً أنّه سيرحل، قبل أن يستيقظ صباحاً ويقرّر أنّه سيبقى، لهلّقأمّا المتقاعدون، فسيضيفونها إلى رصيدهم من الحنين، ويقضونها في الحديث عن أيّام زمان، حين كانت الليرة ليرة، والبحر بحر، والصيفيّة تمتدّ إلى أيلول، واللبنانيّ، في النهاية، لا يحتاج إلى تأخير الساعة كي يعيش في الماضي، هو يسكنه أصلاً، ويدفع إيجاره بالدولار.لكنّ الساعات لا تعود إلّا ستّين دقيقة، والدولة لا تُعيد إلّا ما يسمح به القانون.فلنأخذ ساعتنا بدءاً من الآن، ونعيشها جيّداً، فهي على الأرجح الشيء الوحيد الذي سنستعيده هذا العام كاملاً، دون هيركاتوفي آذار، حين تأخذها منّا من جديد، لن نحتجّفنحن شعبٌ تعلّم أن يخسر الوقت بكرامة،ويبتسم،ويقول: مش مشكلة... منعوّضها بكرا.
ساعة واحدة هدية الدولة: رحلة فكاهية في زمن لبنان المختلف"
في ليلة السبت الماضية، أعادت الدولة اللبنانية إلى مواطنيها ساعة واحدة كاملة، لكنها ليست هدية عادية. إنها ساعة بلا فوائد، تُصرف نقداً لمرة واحدة فقط، ثم تُسترجع في آذار دون إنذار. لكن لنكن منصفين: هذه هي الوحيدة بين كل ما أخذته الدولة منا والتزمت بإعادته في الموعد المحدد.
في معظم دول العالم، تأخير الساعة حدث تقني روتيني يتذمر منه الناس قليلاً ثم ينامون. أما في لبنان فالأمر مختلف تماماً. إننا شعب متمرس في الرجوع للوراء: نرجع في الكهرباء والرواتب وسعر الصرف والطرقات التي تعود حفراً كل شتاء. رجوعنا للخلف يشبه خطوات راقص التانغو الذي يعرف أن الخطوة للوراء جزء من الرقصة. لهذا، طلب تأخير الساعة ستين دقيقة فقط يشعرنا بنوع من الإهانة المهنية.
الساعات في البيوت اللبنانية لن تتأثر كلها بهذا التغيير. ساعة الفرن مثلاً ستبقى تومض "00:00" بإصرار وجودي، لأنها منذ سنوات لم تعرف الوقت الفعلي. كلما ضبطها أحد، يأتي انقطاع كهرباء فيعيدها للصفر. ساعة الفرن اللبنانية هي الأكثر صدقاً بين ساعات العالم: لا تدعي معرفة الوقت لأنها تعرف البلد.
الساعة الحقيقية التي يعيش عليها اللبناني ليست على الجدار أو المعصم، بل على باب البناية: جدول الاشتراك بالكهرباء. "من ستة لعشرة، ومن ستة صباحاً لثمانية". بهذا التوقيت ننام ونستيقظ، نغسل ونكوي، ونقرر مستقبل المصعد. حين يسأل اللبناني "قديش الساعة؟" فهو لا يسأل عن الوقت بل عن صاحب المولد.
لا أحد ينسى ربيع 2023 حين عجزت الدولة حتى عن الاتفاق على الوقت نفسه، فعاش البلد أياماً بتوقيتين مختلفين. كان بإمكانك أن تنتقل من حي لآخر فتصل قبل أن تنطلق، وتتأخر عن موعد لم يبدأ بعد. يومها توقف اللبناني عن السؤال "قديش الساعة؟" وبدأ يسأل: "قديش الساعة... عندكن؟". كانت أول مرة يصير فيها الزمن، الذي ظنه أينشتاين نسبياً، طائفياً بعض الشيء.
اللبناني لا يحتاج أصلاً لقرار رسمي كي يتأخر ساعة. نحن نعيش منذ عقود بتوقيت خاص اسمه "هلق"، وهي وحدة زمنية مرنة قد تعني خمس دقائق أو ثلاث ساعات أو الأسبوع المقبل. يرافقها شقيقها الأكبر "بكرا" التي ليست يوماً بل حالة ذهنية، أفق يبتعد كلما اقتربنا منه كالسراب في الصحراء.
الطلاب سينامون في هذه الساعة، الموظفون سيشتمون زحمة الطريق بارتياح أكبر، والأمهات سيقلقن على الأولاد المسافرين بتوقيت الخليج وكندا وأستراليا معاً. الشباب سيقضونها في ملء استمارات الهجرة، فهذه الساعة الإضافية من الليل هي التي يقرر فيها اللبناني عادة أنه سيرحل، قبل أن يستيقظ صباحاً ويقرر البقاء.
المتقاعدون سيضيفونها لرصيدهم من الحنين، ويقضونها في الحديث عن "أيام زمان" حين كانت الليرة ليرة والبحر بحر. اللبناني في النهاية لا يحتاج لتأخير الساعة كي يعيش في الماضي، هو يسكنه أصلاً ويدفع إيجاره بالدولار.
فلنأخذ ساعتنا من الآن ونعيشها جيداً، فهي على الأرجح الشيء الوحيد الذي سنستعيده هذا العام كاملاً. وفي آذار حين تأخذها منا من جديد، لن نحتج. نحن شعب تعلم أن يخسر الوقت بكرامة، يبتسم، ويقول: "مش مشكلة... منعوّضها بكرا".
" }