الحسابات الأميركية الحقيقية تجاه حزب الله: سياسة احتواء لا إزالة
د. إلياس ب. باسيل - محامٍ سابق في الولايات المتحدة الأميركية، مقيم في لبنانيراهن معظم السياسيين اللبنانيين في مقاربتهم للمشهد الإقليمي والمحلي على نجاح إسرائيل في القضاء تماماً على حزب الله عسكرياً وسياسياً، متوهمين أن الولايات المتحدة تدعم هذا التوجه بشكل مطلق يتخطى حد تقويض قدراته الاستراتيجية كالصواريخ الباليستية والمسيّرات القاصفة. لكن تصرفات ساسة الولايات المتحدة الأميركية الفعليين، ودبلوماسييها، وعسكرييها، وتصريحاتهم المعبّرة عنها في الجلسات الخاصة — على عكس تصريحاتهم العلنية — تشير بوضوح إلى أن تفكيك حزب الله بالكامل يُعد في رأيهم استحالة عملية؛ نظراً إلى الدعم الشعبي الساحق الذي يحظى به من المكوّن الشيعي اللبناني، الذي يشكّل نحو ثلث السكان، مما يجعل تجريده من جهازه العسكري والاستخباراتي والمالي المترسخ أمراً مستحيلاً.بناءً على ذلك، إن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة ليس تفكيك حزب الله بالكامل، بل الحدّ من قوته الاستراتيجية الكاسرة للتوازن لتخفيف خطره على المصالح الأميركية والإسرائيلية وحلفائهما في المنطقة، من دون أن تتوخى بالضرورة إرخاء قبضته على السياسة اللبنانية، وإن كانت لا تمانع ذلك في حال حدوثه. ولتحقيق هذا الهدف المحدود، تركز واشنطن على الدور العسكري لحزب الله كركيزة لمحور إيران العابر للحدود، لا على المماحكات السياسية الداخلية في لبنان. وللمفارقة، يشدد الممثلون الأميركيون في إعلامهم على تعزيز المعارضة المحلية له ولإيران، مع إبقاء هدفهم العملي مركزاً على استهداف شبكاته العسكرية والاستخباراتية والمالية إلى الحد الذي يهدد المصالح الأميركية فقط.ويساند هذا الواقع الاستراتيجي ما تسرّب — وفق تقارير إعلامية موثوقة — حول الموقف الضمني لمبعوث ترامب الرئاسي توماس ج. باراك جونيور خلال زيارته لبنان في أواخر تموز 2025، واجتماعه برئيس البرلمان نبيه بري، إذ أبلغه بأن واشنطن ستكون راضية بتخلي الحزب عن أسلحته الاستراتيجية كالصواريخ بعيدة المدى والمسيّرات، مع بقاء أجهزته العسكرية الأخرى ونفوذه السياسي، مقابل ضمان سلامة الأصول الأميركية والإقليمية. ورغم رفض الحزب لهذا الطرح مدعوماً من إيران، فإن هذا التفاوض يعكس استمرار السعي الأميركي لحماية مصالحه على حساب طموحات المعارضة اللبنانية. كما تساند هذه الفحوى الأدبيات الاستراتيجية وتقارير معهد بروكينغز وعدد من دراسات السياسة الخارجية الأميركية المنشورة، التي تؤكد أن عقيدة الإدارات المتعاقبة تعتمد استراتيجية إدارة النزاعات وتثبيت التوازن المتقابل لمنع الفراغ الجيوسياسي، وليس التصفية الشاملة لأي مكوّن إلا للضرورة القصوى.ويتضح من هذا المنطلق أن موقف قيادة الجيش اللبناني المستمر منذ 2 آذار 2026 بالامتناع عن التصادم مع حزب الله هو موقف سليم وواقعي؛ تفادياً للعصيان العسكري والنزاع الوطني على خلفيات طائفية، كما حدث في عامي 1976 و1984. إذ تتجلى خطورة خيار كهذا بالنظر إلى أن الشيعة يؤيدون الحزب بأغلبية ساحقة تصل إلى 96% وفق بعض الاستطلاعات، بينما تشكّل نسبة مشاركتهم في الجيش وقوى الأمن نحو 27.5%. ويدعم هذا التحليل أوراق العمل الصادرة عن معهد كارنيغي للسلم الدولي والتحليلات العسكرية المنشورة والمتخصصة في الشأن اللبناني، التي تحذّر من أن زجّ الجيش في صدام داخلي سيؤدي حتماً إلى تفكّكه وانزلاق البلاد نحو حرب أهلية مدمّرة، من دون تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله والأحزاب المتحالفة معه.أما على الصعيد الخارجي، فلن يثمر أيّ صدام عسكري أو استخباريّ بين الجيش اللبناني وحزب الله حتى عن نيل رضا الولايات المتحدة كدولة على المدى الطويل؛ لأن استراتيجيتها المفصلة أعلاه ثابتة بهذا الخصوص، بغض النظر عن الحسابات الانتخابية الضيقة أو المنافسات الحزبية في واشنطن، مثل مساعي ماركو روبيو في منافسته لـ جيه دي فانس على ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات 2028 الرئاسية. وهذا التحليل أيضاً تسانده مقالات عديدة في الدوريات الاستراتيجية مثل فورين أفيرز، التي توضح بأن الحراك الداخلي الجمهوري يخدم تكتيكات الخطاب الانتخابي فقط، دون أن يغيّر من الثوابت الهيكلية للسياسة الخارجية الأميركية تجاه استقرار شرق المتوسط.واختصاراً، لا تأبه الولايات المتحدة الأميركية بمواقف السياسيين اللبنانيين المعارضين لحزب الله ومن خلفه إيران إلا بمقدار ما ينفع مصالحها أو يضرها. وتأسيساً على ذلك، وبما أنهم عاجزون عن الفعل المفيد لتلك المصالح بما هو أبعد من الكلام الإعلامي، تستعملهم الولايات المتحدة لأغراضها التكتيكية، ثم تتخلى عنهم لصالح الوصول إلى أهدافها الاستراتيجية مثل تحقيق التعايش — ولو على خلفية نزاعية — (modus vivendi) مع إيران وحلفائها، ومن ضمنهم حزب الله في لبنان.
يعيش المشهد السياسي اللبناني على وهم استراتيجي خطير، حيث يراهن صناع القرار على دعم أميركي مطلق لإزالة حزب الله بالكامل من الساحة. لكن الواقع الفعلي لسياسة واشنطن يروي قصة مختلفة تماماً عما يظهره الخطاب العلني.
تشير التقييمات الاستراتيجية إلى أن المسؤولون الأميركيون، عسكريين وديبلوماسيين، يدركون استحالة تفكيك الحزب بشكل كامل نظراً لدعمه الشعبي الواسع من المكون الشيعي اللبناني الذي يمثل حوالي ثلث السكان. هذا الواقع الديموغرافي والسياسي جعل من تفكيك بنيته العسكرية والاستخباراتية والمالية مهمة عملياً مستحيلة، وفقاً للتقديرات الأميركية.
الهدف الفعلي لواشنطن ليس القضاء على الحزب، بل تقليص قدراته العسكرية الاستراتيجية التي تؤثر على التوازن الإقليمي، وخاصة أسلحته الثقيلة كالصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة. هذه الاستراتيجية تركز على حماية المصالح الأميركية والإسرائيلية وحلفائهما دون الضرورة الملحة لإضعاف نفوذ الحزب السياسي في لبنان.
تعكس المفاوضات غير المباشرة، كالتي جرت بين مبعوث أميركي وقيادات لبنانية في تموز 2025، هذا الفهم الأميركي. فقد تم طرح احتمالية قبول أميركي بتخلي الحزب عن أسلحته الاستراتيجية الثقيلة مقابل الحفاظ على هيكله العسكري والسياسي الأوسع، ما يعكس رغبة واشنطن في إدارة التوازن بدلاً من تحقيق نصر حاسم.
هذا المسار الأميركي يفسر الموقف المتحفظ للجيش اللبناني منذ آذار 2026 من الاشتباك المباشر مع الحزب. فزج القوات المسلحة في صراع داخلي يهددها بالتفكك، خاصة مع وجود حوالي 27.5% من الشيعة في صفوفها، بينما يتمتع الحزب بتأييد ساحق من المجتمع الشيعي يصل إلى 96% وفق بعض الاستطلاعات.
على الصعيد الأميركي الداخلي، المنافسات السياسية والحسابات الانتخابية للدوائر الجمهورية تبقى محصورة في الخطاب الإعلامي. فالثوابت الهيكلية للسياسة الخارجية الأميركية تجاه المنطقة لا تتغير بتغير الإدارات أو المنافسات الحزبية، وتركز على استقرار شرق المتوسط عبر إدارة التنافسات بدلاً من تصفيتها.
في النهاية، الساسة اللبنانيون المعارضون للحزب يكتشفون أنفسهم أدوات في يد واشنطن لأغراض تكتيكية محدودة. فالولايات المتحدة لا تقيم وزناً لآمالهم في إزالة شاملة للحزب، وتستخدم مواقفهم ما دامت تخدم مصالحها، ثم تتجاهلهم عندما تحتاج إلى التعامل المباشر مع خصومهم لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الأوسع.