استنفار حكومي متأخر: متى تصبح سلامة الغذاء أولوية قبل الأزمة؟
عصام شلهوبليست المشكلة في أن يتحرّك وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط لضبط سوق اللحوم، بل في أن يأتي هذا التحرك بعد تفجّر قضية التسمّم الغذائي، وبعد تسليط الضوء على مطعم «ناديني» ومستودع «رهامكو»، وكأنّ سلامة الغذاء لا تستحق الاستنفار إلا عندما تتحوّل القضية إلى فضيحة إعلامية وتصبح الدولة تحت ضغط الرأي العام.فجأة، صدرت التعليمات، واستُنفر مراقبو حماية المستهلك، ومُنحوا مهلة 48 ساعة لإعداد لوائح بالمستودعات المرخّصة وغير المرخّصة، والتدقيق في مصادر اللحوم وظروف تخزينها ونقلها وصلاحيتها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين كانت هذه الرقابة قبل أن تنكشف القضية؟ وهل تحتاج الدولة إلى حادثة تسمّم وضجة إعلامية كي تكتشف أن مستودعات اللحوم قد تعمل خارج الأطر القانونية والصحية، وأن سلسلة التوريد قد تشكّل خطراً على صحة المواطنين؟لكن الأخطر من تأخّر الرقابة هو ما يتصل بمسار التحقيقات ونتائج الفحوصات المخبرية. فقد أُخذت عينات من مطبخ المطعم وأخرى من المستودع المورّد للحوم، وأُحيلت إلى المختبر المختص. وبحسب المعطيات المتوافرة، صدرت نتائج عينات المطعم خلال أربعة أيام، فيما لم تصدر نتائج عينات المستودع حتى الآن.وهنا لا يجوز القفز إلى الاستنتاجات، كما لا يجوز إقفال باب الأسئلة. فإذا كان الفحص المخبري يحتاج إلى وقت إضافي، فما السبب؟ وهل خضعت العينات للإجراءات نفسها؟ ومتى أُخذت كل عينة؟ وما المهلة المحددة لإعلان النتائج؟ ولماذا لا تُوضع هذه المعطيات بتصرّف الجهات الرقابية والقضائية المعنية، بما يقطع الطريق على الشائعات والتأويلات؟إنّ تأخر النتائج لا يشكّل بحد ذاته دليلاً على التلاعب أو التغطية، لكنه، في ظل حساسية القضية وما أثير حولها، يستوجب توضيحاً رسمياً لا يحتمل المواربة. فالثقة لا تُبنى بالصمت، ولا باستنفار المراقبين بعد وقوع الضرر، بل بإعلان الوقائع كاملة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً يكن موقعه أو علاقاته.أما محاولة تحويل النقاش إلى دفاع سياسي عن سلامة الغذاء، أو تقديم الإجراءات الوزارية وكأنها شهادة حسن سلوك مسبقة لأصحاب القرار، فهي لا تجيب عن الأسئلة الأساسية. سلامة الغذاء ليست إنجازاً يُسجَّل لوزير، ولا شعاراً يُرفع في المؤتمرات والاجتماعات الحكومية، بل واجب دائم يبدأ من المسلخ، ويمرّ بالمستودع ووسيلة النقل، وينتهي عند المطبخ والمائدة.والأخطر أن تتحول القضية إلى محاسبة الحلقة الأخيرة في سلسلة التوريد، فيما تبقى الحلقات السابقة خارج دائرة التدقيق الجدي. فإذا كان المطعم قد خضع للإجراءات الرقابية، فمن الطبيعي أن يخضع المورّد للتدقيق نفسه، وأن تُحدّد المسؤوليات بناءً على الأدلة والنتائج المخبرية، لا على حجم الضجة الإعلامية أو نفوذ أصحاب المصالح.ومن هنا، فإنّ المطلوب من الجهات المعنية ليس الاكتفاء بتكليف المراقبين إعداد لوائح بالمستودعات خلال 48 ساعة، بل نشر نتائج التحقيقات والفحوصات فور اكتمالها، وتوضيح الإجراءات المتخذة بحق كل جهة يثبت تورطها، والكشف عن مدى التزام المستودعات والمسالخ ووسائل النقل بالشروط القانونية والصحية.أما الذين يتصدّرون المشهد للدفاع عن سلامة الغذاء من داخل السلطة، فعليهم أن يدركوا أن الدفاع الحقيقي عن صحة المواطنين لا يكون بتسويق الإجراءات، ولا باستثمار القضية سياسياً، ولا بإعطاء انطباع بأن الملف أصبح تحت السيطرة لمجرد انعقاد اجتماع حكومي أو صدور تعليمات وزارية.الدفاع الحقيقي يكون بكشف الحقيقة كاملة، وبضمان عدم استثناء أي جهة من المساءلة، وبمنع أي نفوذ سياسي أو إداري من التأثير في مسار التحقيقات، إذا وُجدت محاولات من هذا النوع.فإذا كانت الدولة جادة في حماية صحة المواطنين، فلتبدأ من مصدر اللحوم، ولتضع نتائج الفحوصات أمام الجهات المختصة، ولتعلن بوضوح من يتحمل المسؤولية. أما أن تتحرك بعد الفضيحة، ثم تطلب من الناس الاطمئنان إلى إجراءاتها من دون أجوبة واضحة، فذلك لا يعزز الثقة، بل يوسّع دائرة الشكوك.سلامة الغذاء لا تُحمى بالشعارات، ولا تُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع، من دون استثناء أو محاباة. وفي دولة القانون، لا حصانة لمستودع، ولا حماية لمورّد، ولا إدانة لمطعم قبل اكتمال التحقيقات. الحقيقة وحدها يجب أن تكون فوق الجميع.
انتظرت الدولة حتى انفجار قضية التسمّم الغذائي لتتحرّك، حين أصدر وزير الاقتصاد والتجارة تعليمات لضبط سوق اللحوم بعد تسليط الأضواء على مطعم معيّن ومستودع للحوم. لكن هذا التحرك يثير تساؤلات جدية حول سبب غياب الرقابة طوال الفترة السابقة، ولماذا لا تحظى سلامة الغذاء باهتمام جدي إلا حين تتحول إلى فضيحة إعلامية تضع السلطات تحت الضغط.
أصدرت الحكومة تعليماتها فوراً، ووضعت مراقبي حماية المستهلك تحت ضغط زمني، وكلّفتهم بإعداد لوائح بالمستودعات المرخّصة وغير المرخّصة خلال 48 ساعة، مع التدقيق في مصادر اللحوم وظروف تخزينها ونقلها والتحقق من صلاحيتها. غير أن السؤال الأساسي يبقى معلقاً: أين كانت هذه الرقابة قبل انكشاف الأزمة؟ وهل يتطلب الأمر فضيحة وحادثة تسمّم لتدرك الدولة أن مستودعات اللحوم قد تعمل خارج الإطار القانوني والصحي، وأن سلسلة التوريد قد تشكّل خطراً على صحة الناس؟
لكن ما يثير مزيداً من القلق يتعلق بمسار التحقيقات والنتائج المخبرية. فقد أُجريت فحوصات على عينات من مطبخ المطعم وأخرى من المستودع الموريد، وأُحيلت كلاهما إلى المختبر. بيد أن نتائج عينات المطعم صدرت في غضون أربعة أيام، فيما ظلّت نتائج المستودع معلقة حتى الآن. هذا التأخّر يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة: هل استغرقت العينات إجراءات مختلفة؟ متى تمّ جمع كل منها بالضبط؟ ما المهلة المحددة رسمياً للإعلان عن النتائج؟ ولماذا لا تُكشف هذه المعطيات للجهات الرقابية والقضائية بشفافية تامة؟
لا يمكن القول إن تأخر النتائج يدل بذاته على تلاعب أو تغطية، غير أنه في سياق حساسية القضية يستوجب توضيحاً رسمياً واضحاً لا التباس فيه. الثقة العامة لا تُبنى بالصمت أو بالإجراءات المتأخرة، بل بالكشف الكامل عن الحقائق ومحاسبة كل من يثبت تورطه، مهما كان نفوذه أو موقعه.
تحويل الأزمة إلى نقاش سياسي حول سلامة الغذاء، أو تقديم الإجراءات الوزارية كإنجاز حكومي، لا يجيب عن الأسئلة الحقيقية. سلامة الغذاء ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات، بل مسؤولية مستمرة تبدأ من المصدر وتمتد عبر كل حلقات التوريد حتى الطاولة. والخطر الأكبر يكمن في تركيز الضغط على حلقة واحدة في السلسلة، وتحديداً المطعم، بينما تبقى الحلقات السابقة بعيدة عن التدقيق الحقيقي. من الطبيعي أن يخضع المورّد للفحوصات ذاتها التي يخضع لها المطعم، وأن تُحدّد المسؤوليات بناءً على الأدلة العلمية لا على ضخامة الضجة الإعلامية أو نفوذ أصحاب المصالح.
ما يُطلب الآن من السلطات لا يقتصر على تكليف المراقبين إعداد لوائح في غضون يومين، بل نشر نتائج التحقيقات فور اكتمالها، والإعلان الواضح عن الإجراءات المتخذة ضد أي جهة يثبت تورطها، والكشف عن مدى التزام جميع حلقات السلسلة بالشروط القانونية والصحية. الدفاع الحقيقي عن صحة المواطنين لا يكون بتسويق الإجراءات أو استثمار الأزمة سياسياً، بل بكشف الحقيقة كاملة وضمان عدم استثناء أي جهة من المساءلة، مهما كان نفوذها.
إذا كانت الدولة جادة فعلاً في حماية صحة الناس، فعليها أن تبدأ من المصدر، وتضع نتائج الفحوصات أمام الجهات المختصة، وتعلن بصراحة من يتحمّل المسؤولية. أما التحرك بعد الفضيحة ثم طلب الثقة بدون أجوبة واضحة، فذلك لا يعزز الطمأنينة بل يعمّق الشكوك. سلامة الغذاء لا تُقاس بالشعارات والاجتماعات، بل بقدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو محاباة.