تلوث البحر اللبناني يثير تساؤلات حول سلامة الأسماك على موائد المواطنين

د.إبراهيم علايلي - سفير السلامة البيئية - باحث وخبير بيئي ومستشار دولي معتمد من البورد العالمي الأميركي -USA - GTBحين تتكدّس الأسماك النافقة على الشواطئ اللبنانية، لا تعود القضية مجرّد مشهد صادم تلتقطه الكاميرات وتتداوله مواقع التواصل الاجتماعي، بل تتحوّل إلى إنذار بيئي يفتح أسئلة جدية حول واقع البحر، وطرق الصيد، ومستقبل الثروة السمكية في لبنان. فبين مؤشرات التلوث، وارتفاع حرارة المياه، والممارسات المخالفة، يبقى السؤال الأهم: هل نعرف فعلاً ما الذي يصل من البحر إلى موائدنا؟في الأول من تموز 2026، نشر المجلس الوطني للبحوث العلمية، عبر المركز الوطني لعلوم البحار، تقريره السنوي حول الواقع البيئي للشاطئ اللبناني. وشمل المسح 37 موقعاً بحرياً، صُنّف 25 منها صالحة للسباحة، فيما وُضعت 5 مواقع ضمن فئة الحذر إلى غير المأمونة، وسُجّلت 7 مواقع ملوثة بشكل كبير وغير آمنة للسباحة. وهذه النتائج تعكس تفاوتاً في الحالة البيئية للمواقع الساحلية، وتؤكد أهمية الرصد الدوري للمياه اللبنانية.لكن المشهد الأكثر إثارة للقلق ظهر في آب 2026، مع تداول صور ومشاهد لأسماك صغيرة نافقة على عدد من الشواطئ. وفي بيان صدر في 24 آب، أوضحت وزارة الزراعة أنها تابعت الظاهرة ميدانياً، مشيرة إلى أن حرارة مياه البحر بلغت نحو 30 درجة مئوية خلال الشهر، الأمر الذي قد يؤدي إلى انخفاض الأوكسجين المذاب في المياه، ولا سيما في المناطق شبه المغلقة كالموانئ والخلجان، بالتزامن مع ارتفاع مستويات التلوث.ولم تحصر الوزارة الأسباب بارتفاع الحرارة وحده، بل أشارت أيضاً إلى احتمال استخدام وسائل صيد مخالفة، يقوم خلالها بعض الصيادين باصطياد الأسماك الكبيرة وترك الأسماك الصغيرة نافقة في البحر. كما أعلنت التنسيق مع المركز الوطني لعلوم البحار لأخذ عينات من الأسماك النافقة وإخضاعها للفحوص المخبرية، بهدف تحديد أنواعها والأسباب الدقيقة لنفوقها.وكانت وزارة الزراعة قد ذكّرت، في بيان صدر في 2 تموز 2026، بالقرارات التي تنظّم الصيد البحري، ومن بينها حظر استخدام “جاروفة البر”، ومنع صيد الأسماك التي لا تستوفي القياسات القانونية. كما دعت إلى تكثيف الرقابة على مرافئ الصيد وأسواق الجملة ونقاط البيع، حفاظاً على الثروة السمكية والتنوع البيولوجي.ومع ذلك، لا بد من التمييز بين تلوث مياه البحر وعدم صلاحية الأسماك للاستهلاك. فتصنيف موقع ما على أنه غير آمن للسباحة لا يثبت وحده أن الأسماك التي تُصاد منه ملوثة أو تشكّل خطراً غذائياً؛ إذ يتطلب ذلك تحاليل مخبرية لأنسجة الأسماك، وقياس الملوثات فيها، ومقارنتها بالمعايير المعتمدة لسلامة الغذاء.من هنا، لا تقتصر المسألة على حماية الشاطئ من التلوث أو ملاحقة الصيادين المخالفين، بل تمتد إلى ضرورة نشر نتائج الفحوص المخبرية بشفافية، وتعزيز الرقابة على الصيد والأسواق، وإطلاع المواطنين على حقيقة ما يصل إلى أطباقهم.فإذا كان البحر جزءاً من غذائنا واقتصادنا وهويتنا، فمن يضمن سلامة الطريق من البحر إلى المائدة؟ وهل تكفي البيانات والتحذيرات، أم أن حماية الثروة السمكية تحتاج إلى رقابة فعلية ونتائج معلنة ومحاسبة لا تستثني أحداً؟

تلوث البحر اللبناني يثير تساؤلات حول سلامة الأسماك على موائد المواطنين

ظاهرة تكدس الأسماك النافقة على السواحل اللبنانية باتت تطرح تحديات بيئية وصحية جدية، خاصة مع تزايد مؤشرات التلوث وارتفاع درجات حرارة المياه، ما يدفع إلى التساؤل عن حقيقة جودة الثروة السمكية التي تصل إلى مائدة الأسرة اللبنانية.

أظهر التقرير السنوي الذي أصدره المجلس الوطني للبحوث العلمية عبر المركز الوطني لعلوم البحار في بداية تموز من العام الحالي صورة متباينة لحالة السواحل اللبنانية. فقد غطى المسح 37 موقعاً بحرياً كان 25 منها صالحاً للسباحة، بينما صُنّفت 5 مواقع ضمن فئة الحذر ولم تُعتبر آمنة تماماً، في حين سجّلت 7 مواقع أخرى درجات تلوث عالية وأُعتبرت غير آمنة للسباحة على الإطلاق.

وتطورت الأمور نحو الأسوأ في أغسطس الماضي عندما بدأت تظهر صور ومشاهد لأسماك صغيرة نافقة على عدد من الشواطئ. ردّت وزارة الزراعة على هذه الظاهرة ببيان توضيحي في الرابع والعشرين من الشهر، حيث أشارت إلى أن درجة حرارة مياه البحر وصلت إلى حوالي 30 درجة مئوية، وهو ما يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين المذاب في المياه، خاصة في المناطق البحرية المغلقة نسبياً مثل الموانئ والخلجان.

غير أن الوزارة لم تقتصر تحليلها على العامل الحراري، بل أوضحت أيضاً احتمالية تورط ممارسات صيد غير قانونية في الحادثة، حيث قد يقوم بعض الصيادين باستخدام طرق محظورة تؤدي إلى اصطياد الأسماك الكبيرة وترك الأسماك الصغيرة تموت في البحر. وأعلنت عن تنسيق مع المركز الوطني لعلوم البحار من أجل أخذ عينات من الأسماك النافقة وإجراء فحوصات مخبرية شاملة لتحديد أنواعها والأسباب الفعلية لنفوقها.

كانت وزارة الزراعة قد أصدرت بياناً سابقاً في الأول من تموز تذكّرت فيه بالقرارات التشريعية التي تحكم النشاط البحري، ومن أبرزها منع استخدام أجهزة صيد معينة مثل "جاروفة البر"، وحظر اصطياد الأسماك التي لا تتوافق مع المقاييس القانونية المعتمدة. وطالبت الوزارة بتشديد الرقابة على كافة نقاط التسويق السمكي من الموانئ إلى أسواق الجملة وصولاً إلى نقاط البيع بهدف الحفاظ على الثروة السمكية والتنوع البيولوجي البحري.

إلا أن المتخصصين يؤكدون على أهمية عدم الخلط بين تلوث المياه البحرية وبين عدم ملاءمة الأسماك للاستهلاك البشري. فقد لا يعني تصنيف موقع ساحلي معين كمنطقة غير آمنة للسباحة أن الأسماك المصطادة منه ملوثة أو تشكل خطراً صحياً، وذلك لأن التأكد من ذلك يتطلب إجراء تحاليل مخبرية متقدمة على أنسجة الأسماك وقياس تركيز الملوثات فيها ومقارنتها بالمعايير الدولية المعتمدة لضمان سلامة الغذاء.

من هنا، يتضح أن حماية السلسلة الغذائية السمكية تتجاوز مجرد منع الصيد المخالف أو مكافحة التلوث، بل تقتضي نشراً شفافاً ودورياً لنتائج الفحوصات المخبرية، وتعزيزاً حقيقياً للرقابة على الصيد والأسواق، وإطلاعاً مستمراً للمواطنين على جودة المنتج السمكي الذي يستهلكونه. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل الإجراءات الحالية والبيانات الصادرة كافية لحماية الثروة السمكية، أم أن الحماية الفعلية تتطلب رقابة ميدانية مستمرة ومحاسبة صارمة لا تستثني أي جهة؟